تقرأون:
دور العثمانيين الجدد في دعم الحركات الاسلامية المتطرفة
  • 658
  • 0
دور العثمانيين الجدد في دعم الحركات الاسلامية المتطرفة

ياسين عضيمة | إن التطرق لمفهوم الراديكالية الاسلامية بحاجة لسطور كثيرة، ولكن موضوعها اصبح ملحاً لدراسة معمقة ونحن نرى افواج من الشباب المسلم الباحث عن الخلاص يلتحق في صفوف تنظيماتها المسلحة. ربما حالة الافلاس الطبقي الاقتصادي الديني العاطفي تدفع هؤلاء الى التفخيخ والتفجير وبث الرعب، فهي نتاج مجتمع استبدادي قمعي ديني قبل سياسي. فهي حصيلة ادمغة فقهية بثت سمومها في نفس مريديها صابغة حالة الانزواء وعدم القبول بالاخر أي كان صنفه أو طيفه. إنها حصيلة تربية مجتمعية تقوم على أساس ديني رافض للتغير بل باحث عن موروث عمره قرون. انها حالة من رفض الابتكار والإبداع على أساس عقلي جمعي يتمحور حول أفكار ومعتقدات أكل الدهر عليها وشرب كل الصور التي ظهرت عليها حالياً غير مقبولة فهي تتمتع  بميزة مهمة وهي الانسلاخ عن الواقع بكل تفاصيله.

فعلياً مصير الراديكالي التحول تلقائياً إلى التطرف بكل أشكاله وصولا لحالة القتل والترهيب والممارسات الخارجة عن نطاق العقل البشري. انها صورة قاتمة وسوداوية اعطتها الرديكالية الاسلامية عن نفسها وانتشارها في بيئات محددة. فمعاناتها من الضياع الاجتماعي ساهم في أن تصبح أهم الاخطار المحيقة بالمجتمعات المدنية مروراً من باكستان وأفغانستان شرقا إلى حوض المتوسط والمغرب وافريقيا حيث انتشرت عاصفة الرديكالية الاسلامية لتجتاح مجتمعات تعاني القهر والاستبداد والتبعية الدينية. لذلك رأينا الكثير من الشباب ينظر إلى زعماء التطرف الاسلامي بحالة من الذهول وكأن هذا الشيخ أو الزعيم سيصبح مخلصاً. مع انفراط عقد طالبان بشكل جزئي في بداية الألفية.

 أصبح التنظيم الاسلامي المتشدد (القاعدة ) الخطر الحقيقي في عدد من الدول فأسامة بن لادن الذي تداولت كل وسائل الاعلام في العالم صوره ومقاطعه الصوتية أصبح يمثل رمز مهم لكثير من الشباب السني وكأن به غيفارا العالم الاسلامي، كريزما خطابية مع مشاهد له في جبال افغانستان جعلت منه البطل المخلص الذي سيفتح روما والقسطنطينية بثلاث تكبيرات كما يدعي المسلمين السنة. ومع تقدم أمور التنظيمات الاسلامية لاحظنا نسيان مصطلحات الرديكالية والتطرف وتحولها إلى السلفية الجهادية التي هي وليدة رحم التطرف الاسلامي اللاعقلي. فكل يوم نرى ونسمع عن زعيم تنظيم خارج من عباءة بن لادن ولربما التنظيم العراقي كان أشهرها في السنين الماضية وأبو مصعب الزرقاوي الذي تبنى أفكار التنظيم خلال الحرب الطائفية في العراق يعد من أشهر رموزها.

هدفت هذه التنظيمات المتطرفة إلى إحداث تغير وانقلاب في بيئة المجتمعات الموجودة فيها. ناهيك على أنها أصبحت ورقة ضغط بيد أنظمة قمعية حاكمة في عدد من البلدان العربية والاقليمية ففي سوريا أصبح تلقين أصول الجهادية والتطرف بالسر والعلن تحت أعين المخابرات السورية وسجونه أحد الوسائل التي تاجر النظام السوري فيها بكثرة وتحديداً في أثناء الوجود الأمريكي في العراق فقد أضحى سجن صيدنايا في سوريا هي مدرسة أساسية لجمع أصحاب الفكر المتطرف.

لم يختصر الأمر على سوريا فقد استخدمت دول أخرى هذه المنظمات، فلا ننسى التمويل السعودي الحكومي وغير الحكومي لتلك الجماعات المتشددة والذي كان له دوراً مهماُ في ازكاء صراعات طائفية مقيتة وتحديداً في الساحة العراقية.

ففي السنوات القليلة الماضية وتحديداً بعد الربيع العربي أضحت رعاية التنظيمات الاسلامية المتشددة هي تجارة رائجة لعدد من الدول الاقليمية مثل قطر وتركيا. وبنظرة خاطفة لواقع ليبيا منذ سنتين، نستطيع ملاحظة الدعم الفعال بالمال والسلاح من قبل الدول التي تتبنى تنظيم الاخوان المسلمين وتحديداً قطر، مبتكرة بؤر توتر لايمكن تجاهلها بل من الصعب التعافي منها. فمعظم التشكيلات الاسلامية التي تتقاتل على الأرض الليبية تتبنى العقائد السلفية الجهادية وهي بالأساس محسوبة على التنظيم العالمي للأخوان المسلمين ولكن لضرورة الواقع وتحت ضغط الممول والراعي الرسمي تبنت الأفكار الجهادية المقيتة. لم تهدأ ولن يهدأ، حتى الآن، صراع الميليشيات الاسلامية في ليبيا وذلك يعود للمد المالي القطري والذي مازال يصب في المستنقع الليبي والقضايا اللوجستية والتنظيمية بعهدة الراعي التركي بشكل غير مباشر، تحت رقابة غربية.

في بدايات عام ٢٠١٢، أي بعد عام من انطلاق الثورة السورية، بدأت ترفرف في سوريا الجريحة أعلام التنظيمات الاسلامية وتحديداً رايات القاعدة، حيث استخدمت ذات أدوات التمويل من قبل دول البترو-دولار وتركيا لتغيير مسار الثورة السورية ضاربة بذلك أحلام المتظاهرين السلميين عرض الحائط. فكان للدور التركي حصة في رعاية التنظيمات الاسلامية الراديكالية ودوراً مهما في تنامي الصراع الطائفي في سوريا. فعظم المجاهدين القادمين إلى الأرضي السورية وصلوا عبر مطارات تركيا ومنافذها البرية قاصدين أرض الشام كما يرددون. ناهيك عن توضع مراكز الجهاديين بالقرب من الحدود التركية أو في أراضيها.

 إذن، تعتبر تركيا وغيرها من الدول البترو-دولار متورطة في تحويل مسار الثورة في سوريا، لتقوم باعطائها بعداً مذهبياً طائفياً وتحويل الثورة إلى حرب أهلية.

في السنوات الاخيرة، بدأت سياسة العدالة والتنمية الحزب الحاكم في تركيا يتضح معالمه مع الوقت، لنرى سياسته في أسلمة مجتمعه ورغبته في توسيع رقعة الاسلام اليساسي الى الدول المجاورة. فكان التركيز بشكل كبير على الملف السوري، لتدعم تركيا الاسلاميين في مختلف اتجاهاتهم وخصوصا الاخوان المسلمين، فهي تعتبر أحد أهم المراكز ،القبلة الأساسية لهذا التنظيم.

تهدف تركيا في ذلك إلى إعطاء صبغة الزعامة السياسية والدينية على الدول السنية في المنطقة بقالب عثماني جديد، فتركيا الآن هي أقوى الدول السنية وأكثرها قدرة على التحكم بسياسات بعض الدول السنية في المنطقة بالرغم من حالة العداء الصريح والواضح لدول سنية كبرى مثل السعودية ومصر.

ربما لاتعي تركيا حاليا حجم الخطر الآتي من النيران التي توقدها في سوريا وعلى حدودها. فقد سهلت ودعمت التنظيمات الاسلامية الأشد تطرفاً كداعش والنصرة والتي تتخذ من تركيا ملاذاً أمناً لها. فلا يمكننا التغاضي عن تبني تركيا السابق لحركة أحرار الشام الاسلامية المتطرفة سوريا. كما ان احتوائها الواضح لجبهة النصرة والتي تعتبر فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام، حسب اعلان الظواهري سابقاً.

لاحظنا كيف دعمت تركيا جبهة النصرة عند قيامه معركة الساحل الاخيرةو فقد كانت المناطق الحدودية والاراضي التركية المحاذية للساحل نقطة انطلاق أساسية للمتطرفين بتجاه الساحل السوري. بدأت تركيا بتبني النصرة منذ نهاية العام الماضي، ٢٠١٣، وذلك بعد اعلان أحرار الشام الانتقال للتبعية السعودية والدخول في الجبهة الاسلامية.

 تبحث تركيا عن دعم أي فصيل متطرف يعمل على الارض السورية حتى تتمكن دائما ً من خلط الأوراق الاقليمية ولتكون أهم اللاعبين على الساحة السورية حتى لو تكلف ذلك ازهاق الاف الأرواح السورية بالسيارات المفخخة وغير ذلك من وسائل الاجرام.

نلاحظ بوجود علاقة بين الحكومة التركية وبين التنظيم الاخطر على الساحة داعش، فالمعلومات الأخيرة للاستخبارات الالمانية تؤكد بوجود معسكر للتديب في جنوب تركيا لعناصر تنظيم داعش (علماً ان جميع التنظيمات السلفية كالنصرة وداعش  تعتبر النظام التركي مرتداً ويجب قتاله، ولكن قتاله مؤجلاً الى مرحلة أخرى. ذات المفهوم والنظرة من قبل الحكومة التركية الى هذه التظيمات الراديكالية).

اعتمدت تركيا سياسة الحد من خطر هذه التنظيمات بالنسبة لها عن طريق دعمهم والسماح لهم بحرية العبور والانتقال فوق أراضيها والى الأراضي المجاورة. فلاننسى ان تركيا قد تمكنت من محاربة الفصائل الكردية كال ب ك ك أو ب ي د (التي تعيش معها حالة حرب منذ سنين) من خلال داعش التي تخوض أشرس المعارك ضد التنظيمات العسكرية الكردية على الحدود السورية التركية. تستخدم الحكومة التركية ورقة المتطرفين لمحاربة التنظيمات الكردية وفي ذات الوقت تسعى إلى استقطاب التيارات الاسلامية السنية بما فيها المتطرفة للعب دور أكبر في المنطقة والدي يعكس سعي اردوغان للعب دور السلطان العثماني الجديد.

نعلم ان حزب العدالة والتنمية له جذور اسلامية، فقد حاول اخفائها في البداية، إلا انه سرعان ماطفت هذه الجذور على السطح وخصوصاً في السنوات الثلاث الأخيرة، وذلك عندما استغلت تركيا توق شعوب المنطقة إلى الحرية فبدأت تعبث بالملفات الاقليمية عن طريق الاسلام السياسي.

تحاول تركيا المراوغة بالنسبة الى دخولها في التحالف الدولي لضرب داعش والنصرة في الأراضي السورية والعراقية، مما يؤكد ماقلناه في هذا المقال. فالحكومة التركية تسعى إلى استخدام ورقة المجاهدين لتحقيق أهدافها، فنجدها قد فتحت لهم مراكزها الصحية لعلاج جرحاهم بعد النزعات الاخيرة مع الاكراد في الشمال السوري.

تنطر الدول الغربية بعين الريبة إلى العلاقة المشبوهة بين الحكومة التركية والتنظيمات الجهادية، فتركيا تراوغ الغرب تحت حجة ضمان أمن مناطقها الحدودية تارة، وتارة أخرى تضع داعش في ذات مستوى الخطر مع النظام السوري لتفادي أي تدخل عسكري ضد التنظيم الارهابي « داعش ».

 نجد ان احتضان تركيا للتنظيمات الارهابية الراديكالية قد زاد الوضع خطورة قي سوريا وحول الأرض السورية الى مكب نفايات عالمي تحت ادارة تركية. فحلم الحكومة التركية بزعامة العالم السني تحت حكم عثماني جديد مازال يراود كبار الساسة الأتراك في هذه الحكومة الحالية.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014