تقرأون:
داعش والثالوث المحرم : النقل – التأويل – العقل.. المعتزلة نموذجاً
  • 700
  • 0
داعش والثالوث المحرم : النقل – التأويل – العقل..  المعتزلة نموذجاً

محمد مقصيدي | لم أكن لأدلي بدلوي في هذه البركة التي تكتظ بالتماسيح والخيالات والحفر ، لو لم تطرح الأستاذة بجامعة ليل بفرنسا – Yolande De Crussol – موضوع العلاقة بين المعتزلة والمنطق الأرسطي في إطار المدارس الفكرية الإسلامية ..

ولقد ذهب مجموعة من الباحثين و المستشرقين والمفكرين العرب كطه حسين وأركون إلى ربط الفكر المعتزلي بالفلسفة اليونانية بشكل ميكانيكي كما ذهب إلى ذلك الغرب الذي يجعل من آثينا مركزا للعالم  ، إذ قالوا بأنه ليس سوى ترجمات لمقولات وقضايا قال بها أرسطو وفورفوريوس وأفلوطين وغيرهم ، بل أن علم الكلام في نظرهم هو ليس سوى سفر للعقل وعلم المنطق من آثينا نحو دمشق والبصرة والكوفة ..  وهذا ما نتج عنه شيئان أساسيان :

أولا ، إظهار المعتزلة وتمجيدها كفرقة إسلامية طليعية ترفع من قيمة العقل في مواجهة النقل ، وهذا الموقف الإيديولوجي هو ما سيسفر في عصرنا الراهن ظهور ما يعرف بالمعتزلة الجدد .. وهذه مغالطة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي ..

ثانيا ، إعتبار الفلسفة اليونانية هي الأرضية الأساسية لعلم الكلام ، ولنشأة الفكر المعتزلي ..

وإن طرحنا السؤال بشكل بسيط : من يستفيد من هذه الضبابية والتعتيم سواء من المعاصرين أو من القدامى ؟  من المعارضين أو من الموالين ؟ من الشرق أو من الغرب ؟

سوف نجد أن أكثر الكتابات التي وصلتنا عن المعتزلة قد وصلتنا من طرف خصومهم ، وهذه الملاحظة يجب الانتباه إليها كثيرا ، لأنها مفتاح لكل ما سيأتي لاحقا . إن أغلب المدارس الفكرية الإسلامية ولدت في البداية كحركات سياسية تطورت عبر تطوير وبلورة مفاهيمها وأجهزتها النظرية إلى مدارس فكرية قائمة ، ولكن على العكس من ذلك ، فإن المعتزلة كانت بداياتها مختلفة نسبيا ، رغم أن مختلف القضايا التي كانت مطروحة في الساحة الفكرية لم تكن سوى رأس جبل الجليد الذي يغطي الصراع السياسي .

إن المشاكل الكبرى التي طرحت منذ موت نبي الإسلام ك :  الامامة ،  والأخماس ،والجهاد .. تبدو فيها بجلاء العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة و تأثيرها وانعكاسها واضحا على المجتمع ككل . أما الاختلاف حول جزاء مرتكب الكبيرة في الآخرة ، والاختلاف في أمور من قبيل القضاء والقدر …  وإن يبدو للوهلة الأولى أنه لا علاقة له بالأمور الدنيوية ومرتبطا بالميتافيزيقا ..  إلا أنه يصب في جوهر السياسة وعصبها الحي  . إن السؤال عن مرتكب الكبيرة هل هو كافر أم مسلم أم منافق أم في منزلة بين المنزلتين كما قالت بذلك وتفردت به المعتزلة ، فيتضمن في طياته السؤال عن حكم الخلفاء والقائمين بشؤون السياسة ، هؤلاء الذين ينتهكون الحرمات ويقتلون ويسجنون بدون وجه حق ، فهل هم لا يزالون في ملة الإسلام ؟ لأن القائل بخروجهم عن الملة قائل بخلع البيعة ، وبشرعية الخروج عليهم بالسيف ماداموا كفارا … إلى غير ذلك . أما القائل بأن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ، فهو يعصم دماء الخلفاء من السفك …

flsfإن الكثير من أعداء المعتزلة الذين أتوا بعدهم حاولوا أن يلصقوا بهم شبهة تغليبهم للعقل على النقل حتى يخرجوهم من دائرة الإسلام ، كما أنهم وصفوهم بالمناطقة ذما لهم لا حمدا ، ذلك في وقت كان ينظر الفقهاء للمنطق وللترجمات التي ظهرت وازدهرت في عصر الرشيد و المأمون  أنها كفر .. وللإشارة ، فإن الترجمات التي انتشرت عن الفرس واليونان وغيرهم كانت بالدرجة الأولى للرد على تلك المعتقدات الباطلة . ولعل رسالة عمر بن الخطاب – كما رواها المؤرخون كابن النديم في الفهرست – إلى عمرو بن العاص عندما أمره بحرق مكتبة الإسكندرية خير دليل ،  قال : ” و أما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى ، وان كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليها ، فتقدم بإعدامها ” ..

ومن اللعنات والشتائم التي لحقت المعتزلة من طرف خصومهم ، نورد ما ذكره عالم جليل من علماء المسلمين عبد القاهر البغدادي حيث يقول : إن واصلا مع كفره قدري ، وهو وعمرو بن عبيد مخانيث الخوارج .. فكيف يطلق البغدادي عن عالمين من مؤسسي المعتزلة لفظ مخانيث وكفار ؟

إن رغبة القدامى والمعاصرين إلقاء تهمة من قبيل أن المعتزلة مناطقة متكئين على العقل الأرسطي لا أساس لها من الصحة ولا دليل عليها ، بل نجد أن المعتزلة يتبرؤون من المنطق وينقضونه ، وها هي  المناظرة الشهيرة بين الامام أبي سعيد السيرافي   والإمام أبي بشر متى بن يونس وهو من أئمة المناطقة في المنطق الارسطي ، خير دليل على ما ذكرناه  . وتبدأ المحاورة كما يلي :

أبو سعيد السيرافي : حدثني عن المنطق ماذا تعني به ؟ فإنا إذا فهمنا مرادك ، كان كلامنا معك في قبول صوابه ، ورد خطئه ، على سنن مرضي وطريقة معروفة .

أبو بشر متى : أعني به أنه آلة من آلات الكلام ، يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه ، وفاسد المعنى من صالحه ، كالميزان ، فأني أعرف به الرجحان من النقصان ، والشائل من الجانح

السيرافي : أخطأت . لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف ، والإعراب المعروف ، إذا كنا نتكلم بالعربية ، وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل (…) إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها ، واصطلاحهم عليها ، وما يتعارفون به من رسومها وصفاتها ، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه !! ويتخذوه قاضيا وحكما لهم وعليهم ، ما شهد به قبلوه ، وما أنكره رفضوه ؟ …

ويروي القاضي عبد الجبار فضائل الاعتزال وطبقات المعتزلة عن أبي إسحاق النظام أنه تذاكر  مع جعفر بن يحيى البرمكي كتاب أرسطو فقال النظام : لقد نقدت عليه كتابه . فقال جعفر : أنى ذلك وأنت لا تحسن أن تقرأه .فقال النظام كيف تحب أن أقرأه لك ؟  …

فكما هو شائع ، أنه بعد حادثة السقيفة حيث كادت تنفجر  أول حرب أهلية في الإسلام ويقتتل الصحابة فيما بينهم ، لن يستمر الوضع طويلا ، حتى ستطفو صراعات دموية حول الخلافة ،  وبعد موقعتي الجمل وصفين ،  ظهرت البذور الأولى لعلم الكلام ، بل تقول المعتزلة أن أول من قال بالمنزلة بين المنزلتين هو علي بن أبي طالب عندما سأله الخوارج عن الفرقة التي يقاتلونها ، هل كفار .  قال : من الكفر فروا ، قالوا : هل مسلمين ؟ قال : لو كانوا مسلمين ما قاتلناهم .  قالوا : وما هم إذن  ؟قال : إخواننا بالأمس القوا اللوم علينا فحاربناهم .. وقال أيضا في معركة صفين : : قاتلناهم بالأمس على تنزيله واليوم نقاتلهم على تأويله .. لقد تطور الصراع بين الفرق الإسلامية وكل فرقة تدعي أنها الفرقة الناجية ، وكل فرقة تسعى أن تؤكد مزاعمها من الكتاب والسنة ، هكذا اختلفت الشروح والتأويلات وظهر علم الكلام في صيغته الأولى ..

إن مؤيدي الفكر المعتزلي ، ينطلقون من فكرة أن المعتزلة أولت المكانة القصوى للعقل على حساب النقل ، وأنها مدرسة إسلامية طليعية يجب الإقتداء بها ، وهذا الموقف لا يخلو من مرجعيات إيديولوحية ، إذ يحاولون مخاطبة المؤسسات الثيو سياسية من داخل البنية الإسلامية ، أي يريدون إقناعنا أنه هنالك إمكانية اليوم لوضع النقل جانبا واستعمال العقل مادام كانت هنالك مدارس إسلامية نادت بنفس الأمر منذ زمن طويل ، وإن كانوا يقومون بذلك انتصارا للعقلانية وقيم الحداثة بحسن نية عن علم أو عن جهل ، فإن التدقيق والموضوعية يفرض علينا أن نقول أن الأمر لم يكن هكذا مطلقا ..

لقد ظهرت المعتزلة قبل ترجمة أرسطو والفلسفة اليونانية بعقود كثيرة ، ففي أقصى حال بالروايات المشهورة أنها ظهرت مع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد عندما اعتزلا الحسن البصري في مجلسه بالمسجد وقالا بالمنزلة بين المنزلتين ، هذا إن لم نقل أن بذور المعتزلة ظهرت في نفس فترة ظهور الفرق الإسلامية الأخرى كالخوارج الذين يقولون بأن مرتكب الكبيرة كافر وحلال دمه وماله ،  بمختلف مذاهبهم من أزارقة بزعامة نافع بن الأزرق وهم الذين قالوا بقتل حتى النساء الغير عارفات والرضع ، والصفرية بزعامة زياد بن الأصفر الذين لم يجروا قتل مرتكب الكبيرة على الأبناء ، والنجدات بزعامة نجدة بن عامر الذي قال بالتفريق بين الذنوب والإباضية التي كانت أقل دموية بين مذاهب الخوارج .. وظهر الشيعة بمختلف مذاهبهم ، وأهل السنة والجماعة بمذاهبهم ، وظهرت الرافضة والمرجئة والقدرية والأشاعرة والماتيردية ومدرسة الحسن البصري الذي كان يقول بأن مرتكب الكبيرة منافق وهو عدو أكثر من الكافر … في ظل كل هذا الكم الهائل من الفرق والتناحر فيما بينها ، ظهر المعتزلة .

ومن علماء المعتزلة أبو علي الجبائي المتوفى 303 ه ، الذي أخذ رئاسة البصرة من أبي الهذيل العلاف المتوفى سنة 235 ه ، وأبو هذيل هو أستاذ الأشعري المتوفى 324 ه  منظر أهل السنة ومؤسس المذهب الذي يحمل اسمه .. وكان من أصحاب أبي الهذيل ، إبراهيم بن سيار النظام أحد شيوخ المعتزلة ، والجاحظ وله فرقة باسمه ، والخياط ، والزمخشري .. كما يجب أن نذكر أن واصل بن عطاء الغزال مؤسس مذهب المعتزلة بعد تحديده الواضح لمبدأ المنزلة بين المنزلتين ، الحجر الأساس في الفكر المعتزلي ، هو تلميذ لعبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب . ومن الكتب المهمة التي وصلتنا عن شيوخ المعتزلة كتب القاضي عبد الجبار المتوفى 425 ه ، وهو واضع ترتيب الأصول الخمسة للمعتزلة .

ويقول  القاضي عبد الجبار في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : انه يجب شرعا لا عقلا . فكيف يدعي البعض أنهم يأخذون بالعقل ويتركون النقل ؟ ويقول أحد المعتزلة أيضا :  فاعلم ان مسالة المنزلة بين المنزلتين لا علاقة للعقل بها ، بل هي ترتبط بالوعد والوعيد . والوعد والوعيد لا علاقة له بالعقل ، وأعطى مثالا من تصدق بدرهم وما قال لا اله إلا الله ، ومن شرب الخمرة ومن قال أنها حلال ، فالمنطق لا يمكن أن يحكم فيها .

إن ما ينطلق منه المعتزلة هو النص ، رغم انهم يقولون أننا لا نريد الإيمان الغامض ،إلا أنهم يظلون مشدودين إلى النص الديني ولا يدفعوه في العقيدة ، فأكثر أدلتهم من القرآن .. أما على مستوى الفقه فإن ارتباطهم بالقرآن والنقل يبدو بشكل لا غبار عليه . ولعل أكبر مثال على إعمالهم للنصوص الدينية وليس العقل كما يدعي البعض في ردهم على حديث النبي ” ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر” أنهم لم ينقضوا هذا الحديث بالعقل ، بل أجابوا أنه من روايات الآحاد ، وروايات الآحاد لا يتبث بها الاعتقاد ..

 فأين العقل والمنطق الأرسطي في البنية الفكرية لهذه المدرسة الإسلامية ؟

كما أنه إن لم نقبل بتأخر ترجمات أرسطو بالمقارنة مع ظهور المعتزلة ، ولم نقبل بموقف الكثير من شيوخهم من المنطق الأرسطي ونقضهم له ، وأهملنا رجوعهم إلى النص القرآني في إطار التأويل ونظرية المحكم والمتشابه ، وقد قال القاضي عبد الجبار ” فإليه يرجع الحلال والحرام ، وبه تعرف الشرائع والأحكام ” .. وإن أهملنا أنه قد خرجت العديد من المذاهب من جبتهم ، أي أنهم كانوا الأكثر اختلافا فيما بينهم ، كما أنهم الأكثر تكفيرا – خصص لهم أبو الحسن الأشعري في أول كتاب في التاريخ عن الفرق الإسلامية  بعنوان مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين الحيز الأكبر من الكتاب –  … فإذا أهملنا كل هذا ،  فكيف يمكن لفرقة تحتكم للعقل أن تتعامل بوحشية مع معارضيها – محنة خلق القرآن مثلا –  بل وصل الأمر أنهم في عهد الواثق ، كان للمسلمين أسرى عند الروم ولكي يفديهم أرسل ليمتحنهم في رؤية الله والخلق فمن قال بالخلق فكوه ومن لم يقل به اعتبروه ليس مسلما.

فإن كانت المعتزلة استعملت الكثير من المفاهيم والأدوات والنظم المعرفية التي تواجدت في المنطق الصوري الأرسطي ، فهذا ليس دليلا على أنها ارتكزت عليه ، أو أنها أحد إنتاجات الفلسفة اليونانية ..  إذ لا يمكننا أن نتحدث مثلا عن مفهوم النسبية في قول الشافعي ” رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصوب ” أو في قول أبي حنيفة ” أقول القول اليوم وأعود عنه غدا ”  …

يجب قراءة كل حركة سياسية أو مدرسة فكرية في سياقها التاريخي دونما إسقاطات أو خلفيات . لقد حاولنا هنا إلقاء فقط بعض الضوء عن المدرسة التي يعتبرها البعض طليعية في الفكر الإسلامي ، وإنزال المديح بها حد التقديس لنهوضها بالعقل .. وإن كانت قد وضعت مجموعة من الإضافات النوعية في الفكر الإسلامي ، فإنها لم تخرج عن الخطوط التي ترسم أرض الإسلام الكلاسيكي عادة ، بل يمكننا أن نغامر ونقول أن المدرسة الفكرية الصوفية تجاوزت في كثير من الأحيان الفكر المعتزلي …

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014