تقرأون:
الإنسان: القضية الخاسرة
  • 570
  • 0
الإنسان: القضية الخاسرة

محمد البرقي | كلما نظرت حولي أدركت أن محاولة الرقي بالإنسان هي كذبة .., كذبة جميلة نحاول إغراق أنفسنا بها حتى تقتلنا ,و أن الإنسان ما زال لم يتخلص من بقايا الحيوان الصيّاد في داخله لازال يكره كل ما لا يشبهه ولا يشبه توقعاته و يهدمه , و ينسى أنه أسخف دخيل على الحياة و أكثرهم تكبرا و تعنتاً

ما أهميته ؟ لماذا هو مميز ؟ سوى بفكره و تطور مشاعره و قدرته على التعبير عنها بأساليب كثيرة و بتنوع كبير , لكنه عندما يتخلى عن تعاطفه و إحساسه بالجمال و انبهاره بالطبيعة يصبح أقل من أي كائن آخر
لا أتفق عامة مع تشبيه الإنسان بالحيوان , حيث أننا عادة نقرن هذا التشبيه بنبرة سخرية و استعلاء على هذه الكائنات التي نشعر بالتفوق عليها , فرغم انحداره من نفس المملكة الحيوانية , و رغم أنه لم يختلف كثيرا عنها لكن الإنسان تمكن من التطور في مسار مميز جعله يظن أنه انفصال عن كينونة الحياة الكبرى , و رغم أنني أتفق معه في انفصاله إلا أنني أختلف معه في نوعية أو فحوى و شكل الانفصال فالإنسان عامة بكل معتقداته و مذاهبه مؤمن أن انفصاله كان اصطفاء له سواء عن طريق القوى العليا أو بأفضلية الانتخاب الطبيعي ,نبرته دائما متعالية حيال هذا الشأن , و غالبا هو مقتنع أنه تشكل على شكل هذه القوى العليا و صورتها لينسب لنفسه بعضا من سمات الألوهية و التفوق الجنسي على بقية الأجناس , كل هذا لمجرد أنه يبني آلة أو يرسم لوحة

بينما أرى أن الإنسان ملفوظ ,بالفعل هو متميز في نوعية و تعقيد عقله و مشاعره , لكنها في نفس الوقت تلك الأسلحة التي ستقضي عليه , و تجعله ينهي وجوده بنفسه , هل فكرت في هذا مسبقا ؟, هل فكرت أن الطبيعة تعتقد أنك منتج عاطب و قررت أن تنهيك و تقصيك بأقسى طريقة ممكنة ؟تتركك لتنهي نفسك بنفسك , و بنفس المميزات التي أعطتها إيّاك في المقام الأول ؟
نفس الأحاسيس الجميلة من تفضيل و ميل نوعي لخاصية معينة أو حب للجماعة هي بنفسها و بوجهها الآخر سبب إهماله بقصد أو بدون قصد لباقي الخصال,و تركها مهملة للاستهلاك , كل الأشياء التي تحبها ستعيش نسبيا أطول قليلا عن غيرها فعلا !!, لكنها ستموت و تستهلك و تفسد و تتلوث تنتهي في النهاية , لأنه كلما أحب شيئا استهلكه بشكل مفرط و جشع حتى ينهيها , فحبه مميت و كرهه مميت

يمكنك أن ترى هذا في أشد اللحظات الأسرية حميمية , كعلاقة الأم بابنتها , حمايتها المبالغة لها..تأثيرها و تدخلها الدائم في حياتها , تكوين نسخة مكررة منها , تعلمها من تعرف , و من تكره , و من تحب , و تكره لماذا و كيف ؟ نفس النسخة بنفس نقط الضعف و نفس الأشياء التي تحبها و تستهلكها , نفس الرقابة و التعلق و الحب التي ستجعلها نسلا عائلا ضعيفا محتاجا لمرجع عاطفي و سند وحائط , نفس هذه المصطلحات التي نحبها و نعتبرها من قيم جنسنا الذي تطور بمرحلة طفولة كبيرة نسبيا تجعله يتعلم أكثر , ستجعله ينتهي ببطيء و ألم أكبر بدون رجعة,ستكبر لتدعم سياسات و أفكار تقصي نفس الاختيارات و تفضّل نفس الاختيارات و سينتهي بها الأمر تحت وطأة تفضيل نوعي لمجموعة أخرى تأثيرها أقوى و أسرع

من أسباب كون الإنسان قضية خاسرة , عدم ثقته في النظام أو الوعي الأخلاقي لباقي أبناء مجموعته , فضلا عن وعيه الأخلاقي الخاص رغم أنه لحل هذه المشكلة – من وجهة نظره – اخترع الحياة الآخرى و ثوابها و عقابها و لما وجد أن تأجيل العقاب و الثواب على الأفعال الخيّرة و مكافأتها غير مجدي و مجزي اخترع القانون و السلطة لكنه لا يزال غير واثق فيها بالشكل الكافي الذي يؤهله للانصياع التام لمفاهيم الخير و الشر و هنا نسأل ما السبب؟.

السبب أننا لا نستطيع تقبّل حقيقة بسيطة أن حقوقنا و جلبها و ضياعها موجودة في الحياة فقط , وأن لا وجود لما بعد الموت حتى نطمئن له بتواكل و ضعف شديد و خنوع مطبق هو في كلمة بسيطة, الضمير ..الضمير الفاعل الغير مشوّه و الغير موجّه أو مسيّس أو المعاد تشكيله بشكل ديني أو عرقي , ضمير حيادي فاعل مؤمن بنفس الأخلاق و نفس مفاهيم الخير و الشر بنفس المستوى للجميع , لو وجد هذا الضمير بهذا الشكل بنسبة كبيرة بما يكفي ، لن نكون بحاجة لحياة أخرى بعد الموت فقط !, بل لن نحتاج إلى قوانين ولا سلطة تدير العلاقات المجتمعية , ستكون جنة اللاسلطوية الحقيقية بشكل موقّع و حقيقي , لكن حتى الضمير يحتاج إلى مكافأة , و مكافأة الضمير في الخير شعورية و في الشر تأنيبية , مجرد الغصة أو الارتياح الذي تشعر به بعد تصرف سيء أو طيب يمثل المكافأة التي طورها جنسنا لتقيّم الفعل في حالة نمو وعي سليم و ضمير مستقيم , أما الأديان و النزعات العرقية فهي تستفز هذه المشاعر و الأحاسيس و توجهها للعمل صوب فئات معينة و في وقت معين و تهمل الباقي , و هذا يخلق ضمير مشوّه , ضمير نحاول أن نقنع أنفسنا أنه خير لأنه يتبع المطلق الذي تتبعه الغالبية , و الذي يغمرنا بإحساس عدم الخروج على الجماعة و الانتماء لكيان جمعي أكبر ، و هذا إحساس مكافئة عال بطبع الإنسان الكائن الاجتماعي

لا يوجد أي نوع من أنواع العقاب يقع من سلطة علوية خارجية غير سلطة الإنسان الإجتماعي الملموس , أما الحوادث و الكوارث فهي صدفية بحتة , الحوادث و الكوارث لاتصيب الناس لأنهم طيبين أو أشرار , و الأشياء الجيدة في الحياة لا تحدث للناس لمجرد أنهم أخيار في الغالب فأغلب من يحصلون على أشياء جيدة و مناصب في الحياة هم أشرار أو مارسوا الشر بشكل ما لمدة كبيرة , لأنهم الأقدر و الأدوم على الإصرار على الوصول للمنصب , و هذه مجرد مكافأة على مجهودهم , مكافأة بدون مكافئ

الأخلاق الحيادية , الأخلاق في صورتها الأرقى الغير تمييزية , هي المنقذ الوحيد , الوازع الأخلاقي من الأخلاق و من أجل الأخلا ق, ليس  لأي شيء آخر , لو رُبطت الأخلاق بربح ديني أو قبول جماعي عرقي ستنسلخ عن معناها بالوقت و تتشوّه. و الأخلاق بمكافآتها  النفسية التي طوّرها الإنسان بنفسه هي الأسلوب الوحيد للنجاة , الذي يبتعد عنه الإنسان شيئا فشيئا و سيبحث عن الحلول خارجه , و لهذا كان لزامًا على الطبيعة أن تستقصيه من المنظومة كلها , هذا الكائن رغم إن عنده كل ما يؤهله ليكون أرقى الكائنات , إلا إنه يُسيّس و يلوي عنق كل هذه الهِبات في محاولة يائسة لإبقاء جزء منه على حساب الباقي , وبهذا الشكل  سيقضي على جزءه المميز و على الباقي معًا.هذا الكائن مُنح الفكر و المنظومة الاجتماعية التي تجعله يكوّن مجتمع  مثالي, فاستخدمها ليجني على نفسه

و بالتالي يعود مرة أخرى لفكرة التفضيل التي تجعله النوعية المفضلة التي تتميز بالحالة الإقتصادية الأفضل والتي بدورها توجد بيئة أسهل لتكوين الخُلق الراقي فيستبدله باستعلاء , و يكون هذا الإقتصاد  على حساب تدهور الحالة الإقتصادية لغيره مما يعيق نمو الأخلاق و يرجع بالإنسان لمرحلة الحيوان الصياد التنافسي الفردي , الذي يقدّم مصلحته الفردية على الجماعة , فيجني على الجماعة و الفرد, و الجنس كله , الجنس الذي إعتبرته الطبيعة غلطة , لابد من محوها

الذي لا يصنع ضميرا لأنه يفضّل الأشخاص الذين ولدوا بالصدفة على معتقد معين أو تم ضمهم له بالغصب , و القانون لا يخلق الضمير , و العرق المعيّن لا يخلق الضمير , فقط الأخلاق الغير محيّزة تصنع الضمير السوي الذي ينقص هذا الجنس اللاهي المنتهي.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014