تقرأون:
افتتاحية العدد الأول: لماذا نكتب؟
  • 508
  • 0
افتتاحية العدد الأول: لماذا نكتب؟

محمد مقصيدي | هل يمكن أن تنمو الكلمات في الصحاري حتى تصير مثل أشجار عالية،أشجار نلوذ بظلالها من ظلمة الفكر الحجري ومن هذا الألم والدم اللانهائي الذي يسيل  ؟ أشجار نبني من أغصانها سقف المستقبل ، ومن أوراقها أعشاشا في القلب للحب والحياة . أشجار سوف يأتي إليها أحفادنا ، حاملين الأغنيات والفرح على أكتافهم ، ثم سوف يجلسون فوق مقعد وسط الحديقة ، ينظرون إلينا من شقوق التاريخ ، متلصصين ، ليقولوا للكلمات الخضراء : شكرا .

نعم ، ولا .

نعم ، إذا ما كنت أنت أيها المتلقي من يحمل إليها الماء . الكلمة لا تموت حتى وإن كانت تحت جلد أرض قاحلة . ولا ، إن اخترت أن تقفل عليك بالمزلاج ، ولا تفتح لها عندما تسمع طرقاتها أمام الباب . لك أن تختار أيها القارئ العزيز . لكنها ستبقى حية في مكان ما في الهواء .

وها نحن اليوم ، تحت سماء الأمل ، نحلم بمجتمع تعددي ، ونحفر في الهواء من أجل ذلك . نريد أن نقول بصوت عال : لسنا مرضى بالتخلف بسبب لوثة في دماءنا ، ولسنا متخلفين عن قطار الحداثة بعلة وراثية . لنا الحق أن نحيا كما نريد ، ولسنا مجبرين على الخنوع للعبودية ، مهما كان ثوبها ، سواء في جلبابها الديني أو قميصها السياسي ..  وقد حان الوقت أن نجد الجواب للسؤال القديم الحديث  : لماذا تخلف العرب وتقدم غيرهم ؟ حان الوقت للمراجعات الفكرية وإعمال النقد الذاتي بكل جرأة وموضوعية بعيدا عن التعصب والدوغمائية .

لقد مات الفكر الواحد ، وتعفنت جيفته . إنه عصر جديد ، ولا بد أن يتحمل كل واحد منا مسؤولياته التاريخية والأخلاقية أمام مجتمعاتنا وأمام ذواتنا أولا . ولا بد أن نعترف أن ما يحدث الآن لم يولد من عدم ، بل هو فاكهة لقرون طويلة من العنف الفكري والإيديولوجي ، ينبغي أن تكون لنا الجرأة على تسمية الأمور بمسمياتها ..

إن هذا المأزق الفكري الذي أرخى بسدوله على كل مناحي الحياة في أوطاننا ، من سياسة ومجتمع واقتصاد وتربية وتعليم .. والذي لا يمكن أن تكون مرآته سوى التطرف والإرهاب ، يفرض علينا اليوم – وأكثر من أي وقت مضى – التأسيس لنهضة عربية ثانية بآليات وأدوات مختلفة وتكون الحرية والتعددية عمودهما الفقري . وإذ ، أسطر تحت هذا المفهوم بأسطر بارزة ، فإننا ندعو من هذه المجلة كل المثقفين والمفكرين والفاعلين الاجتماعيين للانخراط في  هذا المشروع ..

إننا لا نزعم هنا ، وندّعي القطيعة المطلقة مع النهضة العربية الأولى سواء بممثليها السلفيين كمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني  وعبد الرحمان الكواكبي ورشيد رضا ، أو بممثليها التقدميين كرفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وشبلي الشميل وفرح أنطون وطه حسين .. بل إننا نقول أن هذه النهضة العربية تأسست في إطار شروط تاريخية أخرى ، في وقت لم تكن مطروحة فيه بعد ، أسئلة جوهرية من قبيل الحداثة والعولمة .. كما أننا لا ندعي الحقيقة المطلقة ، في المقابل ، ما نود قوله ، هو أننا لنا الحق كله في أن نقول ما نفكر فيه بدون رعب ..

وسوف نظل نؤمن بصلابة الكلمة وهشاشة السيف . لسنا أعداء لأحد . نؤمن حتى النخاع بأن هذه الاشواك التي تسكن العقل العربي سوف تذبل ذات يوم وتسقط .. نحلم أن نستيقظ ذات يوم على بلدان عربية علمانية تعددية حيث الحرية المطلقة دون سلاسل أو قيود ، حيث لا شيء يعلو عن الإنسانية وقيمة الإنسان .

فليكن إذن  العدد الأول من مجلة المجتمع التعددي إعلانا عن بدايات التأسيس لنهضة عربية ثانية . ولتكن الكلمات والأفكار مثل العصافير ، لتكن قنطرتنا نحو الأفق .

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014