تقرأون:
الانتخابات التونسية: بعيدا عن الوعي القطيعي .. ما يجب أن يُقال ..
  • 471
  • 0
الانتخابات التونسية: بعيدا عن الوعي القطيعي .. ما يجب أن يُقال ..

حاتم الشلغمي | في وا قع دولي و عربي اصطخب بشعارات عديدة كعولمة الاقتصاد و ليبرالية الثقافة و ديمقراطية السياسة و تعميم منظومات حقوق الإنسان … الخ ، ومهّدت لتحكّم دوائر القرار العالمية ,عبر عمليات اختراق لكُنه تلك الشعارات, في مصائر الشعوب ليعتلي عملاؤها الأبرز و الأنشط سدّة الحكم بعد اهتراء أنظمة الاستقلال في أغلب دول العالم الثالث من بينها تونس , و التي تحولت بطبيعة المناخ السياسي إلى أنظمة استبدادية شمولية.

 

هكذا وجد شعبنا التونسي نفسه أسير نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي , الذي كان نتاجا طبيعيا لدولة التناقضات التنويرية التحريرية من جهة و الاستبدادية البوليسية , كان هو ذراعها الرئيس , من جهة ثانية . نظام ارتبط ارتباطا وثيقا بدوائر المخابرات الأمريكية منذ 1968 , و الذي تمكّن من إعادة برمجة و صياغة كامل أجهزة الدولة البوليسية و من إعادة تشكيل مشهد سياسي بعدما أفرغه تقريبا من أي محتوى احتجاجي سياسي مطلبي نضالي , مما أدى إلى تغوّل من هم في السلطة و من يحيط بهم و نهش ما استطاعوا نهشه من مقدّرات الشعب التونسي التي صارت رهينة عجلة مصالح العالم الغربي الاقتصادية السياسية و الأمنية , أفضت إلى تسطيح العقل و العمل على إلغاء عقلانية و تصحّر المشهد السياسي و تفكيك الطبقات الاجتماعية و تعميق الهوّة بين شرائح المجتمع الذي بقي هدفه العيش و الاستهلاك بالإضافة إلى تصحّر المشهد الثقافي.

بعد الإطاحة ببن علي, صعد معارضوه الطبيعيون بعد عودتهم من مقرّات إقامتهم بالخارج بين أحضان السفارات و مراكز المخابرات و محطّاتها, خصوصا راشد الغنوشي و من تبعه من قيادات حركة الاتجاه الإسلامي أو “النهضة” و المنصف المرزوقي و من تبعه إلى سدّة الحكم بتونس بعد عملية انتخابية لعبت فيها إدارات الاستخبارات و الإعلام و المال السياسي  دورا رهيبا . فكانت  العملية بذلك محل تحفّظ و إخلال كبيرين رغم التأكيد على حسن سيرها و نزاهتها .

أفضى حكم “النهضة” الذي لم يحترم أسباب و شروط الانتخابات (انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد للبلاد), ولا الأجل المحدد لذلك (سنة فقط). فكان أول انقلاب على كل ذلك بعد صياغة القانون المنظم للسلط العمومية داخل المجلس الذي لم يعد مجلسا لا وطنيا و لا تأسيسيا, و انقلب إلى برلمان يسنّ القوانين و يعين الحكومات و يصادق على المعاهدات بمنظور نتائج الانتخابات ، أي  الأغلبية (المطلقة) و الأقلية . إلى أن شكّل كل ذلك مشهدا سياسيا مضطربا بشكل حاد أوصل البلاد إلى أفق مسدود خصوصا بعد تكرار مشاهد الاغتيال السياسي التي راح ضحيّتها من أبرز و أنقى رموز النضال السياسي و الفكر التقدّمي مثل شكري بلعيد و محمد البراهمي و غيرهم ممن ماتوا في ظروف غامضة كطارق المكّي رئيس حزب الجمهورية الثانية الذي أبدى موقفا رافضا للواقع السياسي التونسي ككل . بالإضافة إلى تغوّل مشاهد الإرهاب التي كان بواسل الجيش الوطني و القوى الأمنية من أبرز ضحاياه  ، فنزل الشعب مجددا إلى الشوارع في كل الجهات متأثرا أيضا بالانجاز المصري في عزل الإخوان حينها متحدّيا كل الأخطار الإرهابية و التهديدات السياسية من سلطة حركة النهضة و رموزها , فكان الأفق الأدنى للمطالب يتمثل في إتمام صياغة الدستور و تحديد تاريخ للانتخابات.

كان لانتخابات 26 أكتوبر التشريعية جلبة كبيرة تحدّث البيت الأبيض عن “نزاهتها و ديمقراطيتها” و تحدّث الإعلام الغربي عن “شفافيتها و انتقالها بتونس إلى مرحلة تجاوز الخطر” و تحدّث الإعلام العربي عن “أهميتها و عبرها و المستقبل الذي تطرحه”. و لكنّنا في هذا المقال سنحاول , بعيدا عن الوعي القطيعي , أن نقول ما لا يقال دوما و أن نستشرف بالإستراتيجية ما يمكن أن تعكسه هذه الانتخابات على تونس و على الإقليم و العالم.

الانتخابات إجمالا: مشروعان يتنافسان و التصويت كان انفعاليا:

في غياب الدور العقلي الواعي في الأدمغة لدى الوعي الجمعي العام في تونس , و التي تم ترويضها على عدم التفكير من خارج المنظور البورقيبي طيلة فترة حكم الراحل الحبيب بورقيبة ثم على الخوف من التطرّق إلى السياسة طيلة حكم الرئيس زين العابدين بن علي من خلال معادلة رجل الأمن , ثم تحريم السياسي و تكفيره في سنوات حكم النهضة عبر الإطناب في الحديث عنه ، بغاية نفور الناس منه .مثّلت هذه الانتخابات عموما ردّة فعل انفعالية على نتائج انتخابات أكتوبر 2011 التي تم التصويت فيها أيضا بشكل انفعالي . عندما نقول تصويتا انفعاليا أو ما أقدم على تسميته البعض “تصويتا عقابيا” . نعني بذلك غياب العقل و حضور العاطفة . فهنالك من التونسيّين من عبّر ساخرا عن هذا الموقف قائلا “لقد صوّت الشعب للنهضة في 2011 شماتة في التجمّع , أما في 2014 فقد صوّت للتجمّع (و هو يقصد بذلك نداء تونس) شماتة بالنهضة.

قد يرى البعض خارج تونس أن المتنافسين في تشريعيات 2014 هما “العلمانية و الإسلام السياسي”. بقدر أن تلك المفاهيم ظلّت “نخبوية” نوعا ما و غائبة لدى القاموس المعجمي لدى عامة الشعب , خصوصا بعد التنازل عن اصطلاح علمنة الدولة و أسلمتها بشكلها الحرفي في ذات الوقت (كما بينّا في مقالنا السابق) , إلا أنه في الواقع ظل صراعا بين مشروعين متناقضين , مشروع حداثي تقدّمي و مشروع رجعي ماضوي . ولكن ما يطرح قلقا معيّنا لدينا هو التساؤل: إلى متى سيبقى شعبنا رهين الانفعال ؟. قد يلاحظ البعض أن الأيام التي تلت يوم الانتخابات و بدء التصريح بالنتائج تشبه عموما تلك الأيام التي تلت مشهد يوم 14 يناير . و كأن الوعي التونسي العام لم يستوعب واقعا طارئا فتحوّل إلى مجرّد مزاج عام ضمن ردّة فعل ما, ربما تكون احتجاجية, على واقع قائم.

 

حركة النهضة: تراجع أم بداية سقوط..؟

لا يمكن قراءة المشهد التونسي بمعزل عن المشهد الإقليمي  و الدولي عموما. لا يخفى علينا أن أهم قوامات مشروع الربيع العربي كانت الحركات و التنظيمات الإسلامية التي لم تشارك في ذلك “الربيع” و لكنها جنت ثماره عبر التغوّل على السلطتين التشريعية و التنفيذية من خلال آلية ديمقراطية مزعومة هي صندوق الاقتراع توصل “الإخوان المسلمين” –  بطريقة انفعالية- و لمرة واحدة الى دفّة السلطة. الديمقراطية التي طالما عدّوها ضربا من الكفر, فاعتمدوها كوسيلة للوصول إلى السلطة و بضغط أمريكي ليصبح “انتصارهم” نجاحا ديمقراطيا ناشئا بالمنظور الأمريكي و بذلك ذريعة لبثّ الفوضى في كل الدول التي اعتلوا فيها مقاليد الحكم . بعد ثلاث سنوات من حكم الإخوان عموما تعرّى بذلك وجههم الحقيقي الذي تجاوز في فساده و في انتهازيته و عمالته الأنظمة التي سبقتهم.

قد شكّل الوضع الإقليمي و تحديدا ما حصل و يحصل في سوريا و مصر و ليبيا و استطرادا تركيا عاملا قويا لسقوط المشروع الإخواني في تونس. فقد تلقّى هذا المشروع ضربات قاسية و قاسمة خصوصا في سوريا و من ثم في مصر بعد عزل محمد مرسي و الأحداث التي تلت كل ذلك مما أدّى الى تراجع نسبة المتعاطفين مع تيار الإسلام السياسي حتى داخل تركيا ذاتها و هي الراعية الرسمية لمشروع أخونة المنطقة.

قد شكّل الإرهاب هاجسا رهيبا بالنسبة للوعي الجمعي التونسي العام , و ذلك نظرا للعلاقة الوطيدة بين هذا الشعب و مفهوم الأمن و السلم الاجتماعيين . فتونس الدولة الوحيدة التي شكّل فيها الحراك الشعبي درسا في السلمية , تعطي الدرس و العبرة للعالم اليوم في إضافة صفة السلمية حتى في إسقاط مشروع أخونة تونس. فحركة النهضة التي لم تتجاوز 30% من نسبة تصويت عام بلغت 61%تراجعت مقارنة بانتخابات 2011 , تقريبا بنفس نسبة تراجع حزب “العدالة والتنمية” التركي في الانتخابات البلدية. و قد لا يمثّل ذلك مجرّد تراجع انتخابي آني و انما بداية سقوط يبدو أنه سيكون تدريجيا خصوصا بعد انتهاء (أو تجميد) مشروع الربيع العربي القائم على الأخونة (القطرنة + الأتركة).. كانت تونس “شرارتها الأولى” فأضحت اليوم آخر فصوله.

 

غياب نسبي للشباب و انتصار كاسح للجيش و الأمن.

يبدو بديهيا أن يكون حضور الشباب في الحراك العام خصوصا و أن “الثورة” كانت منذورة على اسمه. و لكن ما لفت الانتباه لانتخابات اكتوبر 2014 هو شبه غياب للعنصر الشبابي عموما. لن نتحدث كثيرا عن إخلالات الهيأة العليا المستقلة للانتخابات الإعلامية و التحسيسية التي من المفروض إن تحضّ الشّباب بشكل جدّي . و لكن يبدو أن منطق شبابنا التونسي أبعد من ذلك , ليكون احتجاجيا رافضا للواقع السياسي للبلاد الذي يعتبره سابحا في عوالم أخرى لا تمتّ بأحلامه و أفق تطلّعاته بصلة فكانت صناديق اقتراع الشباب التي امتلأت بأوراق المال السياسي و الديماغوجية الدينية من قبل أحزاب ذات خطاب الغيب المعني بما وراء الواقع, فارغة كردّة فعل على سلال هذا الشباب الثائر التي ظلّت فارغة و هو ينظر الى من قطف ثمار دمه و وعيه المغيّب ثم خذله .

أما من زاوية أخرى فيبدو أن هناك من فاز في هذه الانتخابات و لكن بلا أوراق انتخابية و لا صناديق اقتراع و لا خلوة و لا حبر انتخابي… هو الجيش الوطني التونسي و كل القوى و التشكيلات الأمنية .  لقد فاز الجيش و الأمن التونسيين انتخابات الوعي التونسي بعقيدته الوطنية و بصناديق شهدائه و بدمه و تضحياته.. و بلا منازع. ليسجّل بذلك انتصاره في ملحمة وطنية تاريخية قد كتبها بطريقته الخاصة التي تتناغم مع تاريخه و وظيفته.

ماذا بعد الانتخابات ؟

تتوجّه الأنظار الآن الى ما ستفرزه نتائج الانتخابات التشريعية و استطرادا الرئاسية من توافقات داخلية على مستوى المشهد السياسي الداخلي بعامة و الحكومي بخاصة, و أيضا الى دور تونس في صياغة مشهد عربي و دولي معيّن. و قد أجاب السيد الباجي قائد السبسي, المرشّح للانتخابات الرئاسية و زعيم حركة نداء تونس الفائزة بأغلبية المقاعد في البرلمان القادم, أن السياسة الخارجية التونسية ستعود إلى ما كانت عليه من منزلة إستراتيجية أيام الراحل الحبيب بورقيبة, سياسة قائمة على عدم التدخّل في شؤون الدول, تحضى بثقة الجميع و تسعى للمساهمة في كل ما من شأنه دعم الأمن و السلم الدوليين. و نشير في هذا الملف بالخصوص إلى الزيارة التي قام بها وفد من حركة نداء تونس الى دمشق بهدف تهيئة المناخ لعودة العلاقات التونسية السورية الى سالف طبيعتها بعد انقطاع دام ثلاث سنوات , أي منذ تولّي المنصف المرزوقي منصب الرئاسة و حركة النهضة مقاليد الحكم الفعلي. و من المنتظر أن تشهد العلاقات التونسية السورية تطورا كبيرا يعكس بذلك توجها شعبيا و سياسيا عاما ظلّ يطالب بضرورة تدارك خطأ قطع العلاقة مع دمشق مهما كانت الأسباب أو المسبّبات لأن سياسات الدول الديمقراطية لا تُبنى على الأهواء. و المنتظر أيضا أن تقوم تونس  إلى جانب مصر, بأدوار عديدة  بهدف تقريب وجهات النظر لدى الدول و دعم سياسة توافقية دولية صلبة خصوصا أمام ما تواجهه المنطقة العربية من خطر ارهابي يتعاظم.

 

خاتمة مؤقتة..

لقد استفاق شعبنا التونسي خاصة و العربي عامة الحالم بالثورة من كابوس افتكّ منه هتافاته التي تفلّتت كسراب على واقع استبدادي جديد هيأ له الإرهاب كل المناخات … فأدرك هذا الشعب الخطر الذي يتهدّده فبادر بتصحيح مساره التاريخي رغم التعثّر و وعورة الطريق , فهل يثبت الشعب العربي أنه قادر فعلا على الإرادة و الحياة ؟ حياة قائمة على البناء  و على خطاب وطني ديمقراطي حداثي تقدّمي حقيقي ينهي كل عوامل الاستكبار و الكوليانية من جهة و كل أنواع الاستعمار و الاحتلال من جهة ثانية متجاوزا لكل أشكال التشرذم المذهبي او العرقي أو الطائفي أو الإيديولوجي لبناء شخصية عربية حرّة و مبدعة ضمن مجتمع متنوع و تعدّدي.

 

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014