تقرأون:
زهور على قبر ابن الراوندي
  • 606
  • 0
زهور على قبر ابن الراوندي

مجلة المجتمع التعددي | ابن الراوندي أبو الحسن بن يحيى ، ولد حوالي 210 ه ، ومات في عمر الأربعين كما جاء في بعض الروايات في 250 ه ، بينما ذكرت مصادر أخرى أنه وصل إلى الثمانين ، فلم يعرف بالضبط وعلى وجه التحديد سنة ولادته ووفاته . أحد الذين أثاروا القيل والقال في التاريخ الإسلامي . ويقال أيضا أنه أول من ألف كتابا كاملا في نقد القرآن في التاريخ الإسلامي منتصرا للعقل ضد النقل ،  وقد عده الحافظ الذهبي من زنادقة الإسلام الثلاثة مع المعري وأبي حيان التوحيدي ، ويعني بالثلاثة هؤلاء الذين زعزعوا عن علم كبير الفكر الإسلامي .. كان غزير الإنتاج ، حيث ذكر له المؤرخون كابن خلكان أكثر من مئة كتاب ،  رغم أنه لم يصلنا من كتبه شيء سوى بعض المقتطفات تضمنتها ردود خصومه عليه ، ككتاب المنتظم لابن الجوزي وكتاب الانتصار للخياط وردود النوبختي  وكتب الجبائي … ولما اعتبروه خطرا على العقيدة الإسلامية أحرقوا كتبه وحاصروه وحاصروها ، مع أن كثيرا من المؤرخين أقروا بأفضليته وسعة علمه ، حيث نقل عنه الأشعري في مواضع كثيرة من كتابه مقالات الإسلاميين ، وقال عنه أبو حيان التوحيدي في كتابه البصائر والذخائر : ” ابن الراوندي لا يلحن ولا يخطئ ، لأنه متكلم بارع وجهبذ ناقد وبحاث جدل ونظار صبور ” .

  ومن كتبه “ الزمردة ”  يحتج فيه ضد الرسل والرسالة ، و ” الدامغ ” يبطل فيه معجزة القرآن ويظهر تناقضاته ويقول أن فيه لحنا أي فسادامن جهة النحو ، وكتاب ” التاج ” الذي يحتج فيه لقدم العالم ومما جاء فيه ” : إنا نجد من كلام أكثم بن صيفي شيئاً أحسن من : إنّا أعطيناك الكوثر ” ، وله كتاب “ الفريد ” الذي ذكر أبو هاشم الجبّائي أن الراوندي قال فيه أن المسلمين احتجوا للنبوة بالقرآن الذي أتى به النبي محمد.. فقال: غلطتم وغلبت العصبية على قلوبكم فإن مدعياً لو ادّعى أن إقليدس لو ادّعى أن كتابه لا يأتي أحد بمثله لكان صادقاً .. أفإقليدس كان نبياً؟ وكذلك بطلميوس في أشياء جمعها في الفلسفة لم يأت أحد بمثلها ، يعني فأي فضيلة للقرآن.؟.. وله كتاب ” اللؤلؤلة ” وكتاب ” المرجان ” …

ومن أقوال ابن الراوندي في القرآن :

    – قال: وفي وصف الجنة “فيها أنهارٌ من لبنٍ لم يتغيّر طعمه”. وهو الحليب ولا يكاد يشتهيه إلا الجائع. وذكر العسل ولا يطلب صرفاً، والزنجبيل وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يفترش ولا يلبس وكذلك الاستبرق الغليظ من الدّيباج..

   – وقال في قوله: “إن كيد الشيطان كان ضعيفاً” أي ضعف له، وقد أخرج آدم وأزل خلقاً .

   – وقال من فاحش ظلمه قوله: “كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها” فعذب جلوداً لم تعصه .

  – وقال إنما أهلك ثموداً لأجل ناقة، وما قدر ناقة  ؟

  – وقال في قوله: “وله أسلم من في السموات والأرض” خبر محال، لأنه ليس كل الناس مسلمين .

  – قال : وقوله ” لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم”. قال : وإنما يكره السؤال رديء السلعة .

  – قال في قوله : “إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى” وقد جاع وعري ..

وجاء في موته أن الخليفة قد طلبه مع أبي عيسى الوراق الملحد ، فحبس أبي عيسى الوراق حتى مات في حبسه ، بينما هو ظل هاربا ومختبئا حتى توفي . قال ابن عقيل : عجبي . كيف لم يقتل ، وقد صنف كتاب الدامغ يدمغ به القرآن ، وكتاب الزمرد يزري به على النبوات .

من أقوال ابن الراوندي :

 – لا يسع الميت أن يتصور نفسه في العالم قبل الموت، ولو مات أبو الحسن ووضع في قبره، لم يتأت لهذه الجثة الهامدة أن تتصور نفسها في عالم ما قبل الموت، أو أن تشعر بأنها أبو الحسن .

 – إن الرسول عليه السلام أتى بما كان منافرا للعقول مثل الصلاة و غسل الجنابة و رمي الجمار و الطواف حول بيت لا يسمع و لا يبصر، و العدو بين حجرين لا ينفعان و لا يضرّان، و هذا كله مما لا يقتضيه عقل ، فما الفرق بين الصفا و المروة إلا كالفرق بين أبي قبيس و حرى. و ما الطواف على البيت إلا كالطواف على غيره من البيوت. و إن الرسول شهد للعقل برفعته و جلاله فلماذا أتى بما ينافره إن كان صادقا .

– أخبرونا عن الرسول ، كيف يفهم ما لا تفهمه الأمة ؟ فإن قلتم بإلهام ففهم الأمة أيضا بإلهام ، و إن قلتم بتوقيف فليس في العقل توقيف …

لقد عاش ومات ابن الراوندي في وقت كانت تتأسس فيه البذور الأولى للفلسفة الإسلامية ، في وقت كانت الكلمة تعادل رقبة مقطوعة ، لحسن الحظ أنه لم يمت شر ميتة كما حدث للكثيرين الذين تجرؤوا على طرح السؤال أو محاولة الخوض في أمور يعتبرها شيوخ الإسلام كفرا ، لحسن الحظ أنه لم يلق مصير معبد الجهني ، وعمرو المقصوص ، وغيلان الدمشقي .. ومئات غيرهم .

ولنقرأ الفاتحة على روحه .

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014