تقرأون:
داوكينز يتحدث كل اللغات
  • 1420
  • 0
داوكينز يتحدث كل اللغات

قاسم الغزالي | ربما لم يكن يخطر ببال ريشارد داوكنز أن كتابه وهم الإله سوف يخاطب العرب بلغتهم يوما ما . عندما التقيت به بسويسرا على هامش لقاء دانكفست ، الذي تنظمه جمعية المفكرين الأحرار السويسرية ، أخبرته أنني قرأت وهم الإله بالعربية ، فأصابته الدهشة ، وأخبرني أنه لم يتوصل بأي طلب  رسمي لترجمة عمله ولم يعرف بصدور هذه الترجمة إلا الآن ، قلت له : الترجمة قام بها صديق وكاتب عراقي اسمه بسام البغدادي وهو يقيم بالسويد ..

  لقيت هذه الترجمة انتشارا هائلا  وسط القراء العرب ، حيث وصل عدد تحميلات الكتاب في صيغة بي . دي . اف إلى 10 ملايين مرة ،  وأكثر بلد في التحميلات كان هو السعودية ، بنسبة تتراوح بين 27 و 30 في المئة ، يقول البغدادي أن عدد التحميلات في اليوم الأول فقط وصل الألف ، وبدأ العدد في التضاعف ككرة الثلج ، لتقوم صفحات أخرى برفعه ونشره وقد ساهم في عملية النشر عدد من المنتديات الإلحادية العربية والمدونون الملحدون .

 الكتاب أثار وما يزال الكثير من الجدل والنقاش المحتدم في العالم الإسلامي العربي ، فقد توصل المترجم بكم هائل من رسائل الارهاب والتهديد التي إتهمته بأنه يعمل لصالح مشروع صهيوني يحاول إفساد عقول الشباب ، الأمر الذي دفعه حد مغادرة شبكة الانترنت والتوقف عن الكتابة لفترة ، ناهيك عن العدد الكبير من الدراسات والمقالات التي كتبت  للرد على وهم الإل ، إضافة لبعض الكتب المطبوعة ، ككتاب وهم الإلحاد الذي نشرته مجلة جامعة الأزهر الشريف بمصر

 ترجمة وهم الإلحاد العربية  متوفرة أيضا الآن بصيغة صوتية ويمكن الحصول عليها مجانا عن طريق نقرة واحدة .  وقد اختار المترجم أن يكتب بخط واضح تحت عنوانه عبارة (الكتاب الممنوع بالدول الإسلامية) . فهل حقا يمكن اليوم منع الكتب ؟ لا أعتقد ذلك ، وخير دليل  أنني قرأت وهم الاله بالمغرب . كما أن لي أصدقاء ملحدين قرؤوه حتى بالسعودية ،  إن تلك الحقبة السوداء عندما كانت المكتبات العامة ودكاكين  الكتب لا توجد بها سوى  تلك  التي تختارها السلطة السياسية ، تلك الحقبة  السوداء قد ولت دون رجعة مع ثورة الانترنت ..

كنت في الواقع أعرف داوكنز قبل ذلك ، غير أنها كانت معرفة محتشمة ، أتذكر أنها كانت قبل سنوات حينما وجدت بالصدفة طبعة فرنسية لكتابه الأول (الجين الأناني) في مكتبة عمي الذي كان مهتما جدا بالعلوم الحية ، لم  أفهم وقتها عن ماذا يتحدث الكتاب بالضبط ، أما عمي فلم يكن بالبيت حتى يشرح لي أمر ذلك الكتاب ، كل ما كنت أعرفه من خلال عنوانه هو أنه كتاب علمي ، لذلك أخذته معي لحصة العلوم الطبيعية بالمدرسة وسألت المدرس عنه . أخذه مني ثم صرخ في وجهي : لا تحضر هذا الشيء القدر مرة أخرى إلى هنا. إنه مجرد هراء .

هل حقا اعتقد المدرس أن الكتاب سيء لهذه الدرجة ؟ أم  هنالك أمرا سريا آخر؟ ربما كان خائفا من وجود الكتاب في الفصل ، لأنني أعرف الآن بعض الأساتذة الملحدين الذين يجدون أنفسهم مجبرين على التظاهر بالإسلام  أمام التلاميذ.  لكنني أستبعد ذلك ، فلو كان بهذا الشكل ، لطلب مني بهدوء أن لا أحضر الكتاب ثانية .. .

 لابد أن أشير الى أن  الميلاد الحقيقي لعلاقتي برشارد  داوكنز ، يعود فيه الفضل الكبير إلى هذه الترجمة التي قام بها البغدادي ، فقبل ذلك كل ما كنت أعرفه عن رشارد كان صورة مشوشة نتيجة رد فعل المدرس الغريب والعنيف . في مرحلة متأخرة  بدأت أتصفح  مقالات له و مقاطع فيديو قصيرة عبر شبكة الانترنت . أذكر أنه بعد قراءتي لوهم الإله استطعت أن أبني علاقة خاصة وحميمية بيني وبين الكاتب ، مبنية على إطلاع ومعرفة مباشرين . أن تقرأ لأحد كتابه ، فهذا يعني أنك تسمعه يتحدث اليك و يفكر معك بصوت عال دون أية حواجز ، هكذا على الأقل كنت أشعر كلما قرأت تلك الكتب التي أحبها ..

 أذكر جيدا ، أنني لم أقرأ الكتاب وأنا مرتاح البال ، فقد كان كتابا مزعجا وشاقا جدا وعسير الهضم ، هو ليس كتلك الكتب التي تقرأها ورأسك على المخدة قبل الأحلام وقبل نومك الجميل . إنه كتاب قاس جدا ، يستفزك كي تفكر ،  يرفع سياطه عاليا دون رحمة ثم يهوي بها على عقل قارئ مثلي يتعرف على  داوكنز للمرة الأولى ، فعلى الرغم من أنني كنت ذلك الوقت في مرحلة متقدمة من تحولي من الإسلام الى الفكر الحر ، وهو الوضع الذي مررت فيه عبر  قراءات كثيرة ، وتجربة خاصة أخذتني من حجرات الدراسة الى دور القرآن حيث انقطعت كليا عن المدرسة وتفرغت لحفظ كتب الدين والقرآن ،  وذلك تلبية لرغبة جدي الذي أراد لي يوما أن أكون إماما. لأعود من جديد وأعلن ثورتي ضد كل تلك الأفكار التي كانت في يوم ما تشكل عقيدتي وإيماني ..

ريشارد داوكنز

ريشارد داوكنز

لقد قرأت وهم الإله وأنا في الثانوي ، ارتبط عندي وقتها اسم رشارد داوكنز بالحرية كغيره من المفكرين العلماء والفلاسفة المعاصرين ، فقد أعجبت جدا بحرية التعبير التي يعيش فيها الكتاب في الغرب ، ثم بدأت أرسم في ذهني بعض المقارنات بين واقعنا الذي نعيشه و واقع  هؤلاء الذين يكتب رشارد بلغته م.  كنت أعلم أنها مقارنات لا تجدي ، لأنه لا يمكنك أن تقارن عالمين مختلفين ،  لا يمكننا ان نقارن بين حقبتين زمنيتين ، الفارق بينهما جد  شاسع ، فبينما مجتمعاتنا ما زالت تعيش فتره العصور الوسطى ، على الضفة الأخرى من العالم نجد مجتمعات تعيش الحرية وفلسفتها

شيء أخر قد يبدو غريبا وساذجا ،  حينما أقول أن اسم داوكنز ارتبط عندي أيضا بالخوف ،.. قد تقولون : ” لماذا الخوف من رشارد داوكنز؟  لكنها حالة لا يمكن فهمها إلا إذا كنت قد عشت ما عشت ،  إنه وضع يصعب فهمه ، إلا على هؤلاء الذين سبق لهم أن جربوا قراءة كتاب ممنوع ، في بلد يكون فيه الكتاب جريمة قصوى ،  وحينما يخرجون الى الشارع أو يجلسون لشرب الشاي مع أهلهم ، يخافون أن تهرب تلك الكلمات والأفكار المجرمة التي للتو قرؤوها ، أن تخرج هاربة من أفواههم فيسمعها الجميع ، كما حصل معي تماما ،  ولذلك بالضبط أنا اليوم أكتب هذه الكلمات من سويسرا وليس من بيتي في تلك القرية النائية التي تنام هناك في ذلك البلد البعيد والمؤلم ..

شكرا جزيلا رشارد داوكنز .

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014