تقرأون:
ريم العياري: اللوحة.. جسد
  • 412
  • 0
ريم العياري: اللوحة.. جسد

 أتارغاتيس – عز الدين بوركة

 ريم لوحة 2بعيدا عن تلك المقدمات الجافة التي نستهلّ بها عادةً نصوصنا، لنا أن نغوص، هنا، في أعماق اللون والشكل الحاضر “جسدا” عند الفنانة التشكيلية التونسية-الفرنسية ريم العياري.. فنانة تهب وقتها للوحة، تقدّرها حق تقديرها. تنحو أعمال هذه الفنانة إلى المدرسة التعبيرية الحديثة l’expressionnisme moderne، من حيث الابتعاد بشكل فني عبر الصباغة وشفافية اللون عنها، إلى تجريد خاص، يصير له أن يكون خلفية fond للجسد، وتوظيف تقنياتها كجزء من اللوحة  œuvreلا ككل داخلها. هذا وتعتبر هذه الفنانة من الفنانات العصاميات القلائل اللواتي كان لهن استطاعة الخروج بمنجز خاص وخالص، يحتاج لحس تأمل وعمق قراءة. يحضر في غالب أعمالها مزيج من الحالات الإنسانية التي تعبر عنها بكيفية تتداخل فيها المشاعر وردود الأفعال والقراءات كالموت والحزن والحياة والأمل والفرح. وهذه هي تلك الثيمات التي اشتغل عليها رواد المدرسة التعبيرية الأوائل -مبتعدين عن جفافية الرسم الكلاسيكي- والذين تأثروا ب”النزعة التأثيرية” التي قادها كل من “فان خوغ وسيزان وجوجان”، كان لظهور الآلة الفوتوغرافية بعض الأثر في حدوث نزعات جديدة هي أشبه بالانحرافات الجنونية منها بالنزعات السليمة، عقب “النزعة التأثيرية”، فكأن الفنانين الذين جاؤوا بعد المدرسة التعبيرية    expressionnisme متأثرين بالنزعة المذكورة، يقولون “إذا كانت الآلة الفوتوغرافية تصوّر الجسم، فعلى الرسّام أن يصوّر الفكرة”.

ريم لوحة1الفكرة هي الشيء المسلط عليه ضوء اللون في اللوحة عند هذه الفنانة التونسية، تحاول داخل منجزها الاقتراب بشكل شفاف transparent إلى أحاسيس المتلقي، ولمس أرهف وثر في الفكر لديه، عبر تصوير/ رسم figuration/dessin (peinture) الجسد بشكل سيمولاكري باهت، غير واضح المعالم، لا يقترب من محددات الوجه، كأنها تقول ما يَهم هو الرسم وليس المرسوم.

ريم العياري فنانة عصامية بدأت تجربتها التشكيلية في تونس منذ الثمانينات وبدأت العرض في النادي الثقافي الطاهر الحداد قبل أن تعرض في مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية ومهرجان قليبية الدولي للفنون التشكيلية ودار الثقافة ابن رشيق ورواق علي القرماسي وبيت الشعر.  وفي باريس نجحت ريم العياري في أن يكون لها حضور خاص من خلال ورشة الفنون في أيفري في ضواحي باريس كما أصبحت من حلقة صالون الخريف الذي شاركت معه في عدة معارض دولية، وحازت العديد من الجوائز العالمية منها ميدالية الجمعية الأكاديمية  للفنون والعلوم والآداب بباريس.

يكمن أهمية الجسد في اللوحة الدائمة، في غالبيتها، المطلية باللون الأزرق الصوفي، كإشارة signe للتأثر بالاتجاه التصوفي  Mystique الفني لدى الفنانة، فالجسد هو الشرط الوجوديla condition existentielle الأول للإنسان، فبفضله نحن مُعَيَنون، معترف بنا، ومحددون بانتماء اجتماعي sociale ، بجنس، بسن، بلون الجلد، وبخلصة فريدة في الإغراء. إن الجسد هو التوتر الهوياتي للإنسان، للمكان والزمان.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014