تقرأون:
الحب والمعرفة الإنسانية والفن قضاءً على التطرف
  • 218
  • 0
الحب والمعرفة الإنسانية والفن قضاءً على التطرف

جاسم قحطان شاعر وباحث عراقي:

إن طرح السؤال بهذه الصيغة فيه تجني على المثقف عموما، رغم أن مفردة مثقف فضفاضة ولا تحدد من نعني بالمثقف. [الحديث عن السؤال الأول]. فهناك مثقفون منشغلون بقضايا الناس ويحفرون في الواقع وتناقضاته ويسعون للعثور على بقعة نور رغم المصاعب والتعقيدات الاجتماعية والسياسية التي يواجهونها، مع أنهم يستخدمون المناهج والأشكال الحداثوية في التحليل والتعبير. إشكالية العلاقة بين المثقف والواقع تكمن إلى حد كبير في تعاضد السلطات على إدامة الجهل مع كسل الجمهور الأمّي والمروّع بالفقر والخوف والقمع والتجييش الديني المغلق. في سياق كهذا فليس من الغرابة أن تصبح مهمة المثقف الحداثي، بفعل استخدامه لأدوات تعبيرية تحتاج لكي يتم التواصل معها الى مستوى معين من المعرفة، صعبة، بحيث يبدو المثقف معها وهو يعيش حالة اغتراب وعزلة.

[بالإضافة] في البلدان التي تعم فيها الأمية والقمع وتسيّس قنوات الاتصال والإعلام فإن مهمة المثقف تصبح مضاعفة. فمن جهة فإن عليه أن يساهم في المساعدة على خلق جمهور متعلم لديه بعض الوعي بوجوده، وهذه المهمة تعني نزوله الى الشارع والالتصاق بالناس والعمل معهم، ومن الجهة الأخرى فان نشاط المثقف، وخصوصا الأديب والفنان والمفكر، هو فردي بحت ويتحقق في عزلة تامة، وله أساليبه الخاصة في العمل.  كما إن مهمته الإبداعية والفكرية لا تهدف إلى النزول بإنتاجه إلى المستوى المنحط للجمهور بل الارتفاع به إلى مستوى أرقى يتوازى مع مهمة الإبداع. المثقف المفكر أو المبدع يسعى إلى تحرير الإنسان من الخوف والقمع والكراهية، وذلك يتطلب طرح أسئلة تتعلق بالوجود والإنسان والطبيعة. ويمكنه من خلال إصراره على البحث عن الجمال والحب والمعرفة الإنسانية في تلك الأسئلة أن يواجه التطرف بكل أشكاله الديني أو العلماني. لكن الأمر له أبعاد أكبر فهو لا يعمل في وسط سياسي أو اجتماعي حر، ولذلك فإنه هو الآخر في حالة رعب دائمة وعوز اقتصادي دائم.    

[أخيراً] إن الفن المرئي له تأثير كبير على المتلقي لأنه لا يحتاج إلى مستوى علمي أو معرفي للتدقيق في العبارة اللغوية المكتوبة أو المقرؤة. وقد أتاح التطور الهائل في وسائل الاتصال إمكانيات كبيرة للفنان لكي يخلق حركة مضادة للفكر التكفيري المدمر الذي لا علاقة له في الحقيقة بما تنادي به القيم الأخلاقية للأديان. لكن هذا الأمر أيضا محكوم بعوامل اقتصادية وسياسية. فالفنان يحتاج إلى دعم مؤسسات الدولة شريطة أن لا تطرح عليه شروطا مسبقة ما، أي أن لا تحوله إلى صاحب دكان مهمته الرئيسية ترويج بضاعة الساسة.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014