تقرأون:
الظلامية والاستبداد… الفن هو الحل
  • 255
  • 0
الظلامية والاستبداد… الفن هو الحل

عبد الهادي السعيد شاعر مغربي:

في اعتقادي، هناك جبهتان. الظلامية والاستبداد. أو الاستبداد والظلامية. المعركة معهما معا وفي نفس الوقت. هل نجحت المشاريع التنويرية العربية من داخل الاستبداد؟ تاريخ القرن العشرين يقول لا. لقد ظلّ العالم المصنّع يرعى أنظمتنا الديكتاتورية لعشرات السنين ويبيعها السلاح ويصف بعضها باللائكية. هذا نفاق كبير. لم تكن أبدا كذلك. كانت أنظمة استبدادية مقيتة، استخدمت هي ذاتها الدين من أجل تركيع المجتمع، وكان طغيانها التربة الخصبة التي نما فيها التطرف وتشعب. لا توجد علمانية بدون ديمقراطية. وفي تلك الأثناء، كان مثقفون كثر ذوو وزن من الجيل السابق يعتقدون، أو يروّجون فقط، لأسباب هم أدرى بها، أن الديمقراطية يمكن أن تؤجل. المُحزن في الأمر أن بعض هؤلاء لا يزالون يضغطون بثقلهم على المشهد الثقافي تحت راية مؤسسات ذات نفوذ واسع مُنحت إياه بعد أن تم تدجينها من طرف الأنظمة المذكورة. بل الأدهى أن قطاعا لا بأس به من الجيل الجديد اقتفى آثار تلك “النخبة” وهو اليوم يكرر أخطاءها أو يعيد صياغة تلك الأخطاء، مهما بدت مساهماته الأدبية أو الفكرية ابنة عصرها. ماذا نشهد اليوم؟ أن أناسا من عالم الفكر والثقافة يقولون لنا : تفضلوا نبايع الديكتاتور، لأنه الواحد القادر على حمايتنا من “الفاشية الدينية”. إنه الفشل بعينه. إن كان للمثقف دور، فهو إيصال خطاب معين إلى عقول الناس ووجداناتهم. إذا كنت تتوجه إلى الناس بآرائك وفكرك، في نفس الوقت الذي تبيض فيه جرائم طاغية ما، فكيف تنتظر أن يلتف الناس حول صوتك. هم سيلجؤون إلى عروض “فكرية” أخرى، تبدو لهم، على ظلاميتها، برّاقة، وما أكثرها.

على المثقف، موازاة بعمله ونتاجه التنويري، أن يتخذ موقفا واضحا وصارما من الاستبداد. عام 2003، أصدر يوسف القعيد، عن دار الشروق، كتابه الحواري “محمد حسنين هيكل يتذكّر. عبد الناصر والمثقفون والثقافة”. بخصوص لقاء ناصر بالشاعر صلاح عبد الصبور، يخبرنا هيكل، في الصفحة 251 : “أظن أن الحوار بينهما لم يطل، لأن صلاح عبد الصبور انعقد لسانه في حضور عبد الناصر”. يوم الأحد المقبل (15 مارس 2015)*، في القاهرة، سيجتمع نحو 200 ناقد وروائي عربي، بينهم كبار مثقفي العرب، من أجل المشاركة في الملتقى الدولي السادس للرواية العربية، وسيحلون بذلك ضيوفا على أحد أبشع الأنظمة الديكتاتورية التي عرفتها المنطقة في العصر الحديث. لو اجتمع هؤلاء المثقفون السّامون الحريصون على الديمقراطية والتنوير في بلاد محايدة ونددوا بصوت واحد بالاستبداد، في نفس الوقت الذي يهتفون فيه ضد الظلامية، أو جابوا العالم الحرّ (على فرض أن يجدوا لذلك تمويلا، وهذه إشكالية أخرى…) من أجل نفس تلك الغاية، أي شق طريق ثالثة لا هي مع الظلام ولا هي مع الدبابة، لو فعلوا ذلك، أو همّوا به حتى، لو قاطعوا الديكتاتور العسكري ولم يساهموا من حيث يدرون أو لا يدرون في تبييض نظامه المقيت، لرفعنا لهم القبعات عاليا وقلنا إنهم مثقفون حقّا عظماء.

الفن هو بث الجمال والنور في العالم. وهو الطريق إلى التحرر من القيود التي يفرضها الدين والسلطة والمجتمع عموما. يكفي أن يتمثل المبدع هذه القيم وأن يجعل الإنسان أولا وأخيرا في صلب عمله، يكفي ذلك لكي يؤثر في محيطه وزمنه. ليس بالضرورة أن يكون فنانا “ملتزما”، وفقا للتعبير السائد. أما إذا اختار أن يكون له صوت وخطاب ثقافي خارج اشتغالاته الفنية الصرف، فضروري أن يكون حضوره ذاك داخل المجتمع منسجما مع القيم التي ينبني عليها فنه. ما معنى أن تتغنى داخل قصائدك بالعدالة والحب الإنساني والحرية وفي ذات الوقت أن تحرض على إقصاء واضطهاد قطاع كامل من شعبك.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014