تقرأون:
النبش في مكامن الخلل..
  • 238
  • 0
النبش في مكامن الخلل..

محمد بلعربي  قاص وكاتب مغربي :

  • كيف نحدد المفهوم أولا في شقه الاصطلاحي والفلسفي المرتبط بواقع تحاصره ضلال الماضي؟ كيف نؤسس له خارج أنماط التعريفات المستوردة من تربة غير تربتنا ؟ من هو المثقف قبل كل شيء؟ لنفترض درءا لكل إسهاب أنه ذات لها رؤية من أجل التغيير منشغلة بهموم أفراد المجتمع، متطلعة إلى نشر الوعي بين الناس عبر مساهمات تقود إلى بناء مجتمعات قوية. أليس من التخاذل والخنوع الزيغ عن هذا المنحى ؟ الكتابة حرقة تستمد مشروعيتها من الواقع الذي يفرض إشكالاته وتساؤلاته على الذات المبدعة، هذه الأخيرة تلتقط ما يؤرقها من بؤس وفواجع بحكم احتكاكها اليومي والمستمر بالمتغيرات التي تحيط به، لكن عوض الانشغال بتلك الهموم بتجنيد مداركها وثقافتها لإنتاج بدائل كفيلة بنقد ممارسات تغرقنا في العفن تجدها تسبح في عوالم أفلاطونية وكأنها غير معنية بما يحدث ،مما يفتح المجال مشرعا أمام السطحية والشعبوية والتفاهة كي تسود. الطبيعة لا تحتمل الفراغ  حتى ولو ملئت بالنفايات ، لكن في غياب ثقافة تنويرية وتعليم حقيقي مؤسس على الابتكار والخلق ثم   الاختيار مع عزوف المثقف على القيام بدوره المنوط به ينتشر الزيف ويسود التبرير العقلاني المبني على الاستنباطات عوض العقلانية والتسلح بفكر نقدي يقطع الطريق أمام بائعي الأوهام.
  • كم نحن في أمس الحاجة إلى كتابات غير مهادنة تخترق بفنية كبيرة الفكر الوثوقي مزعزعة أركانه الهشة. كتابات جريئة حين يتطلب الأمر ذلك بمهاجمة السائد والبديهي من الأمور. هي حرب قائمة ضد العقل ومنابعه تُستعمل فيها جل الأسلحة بغرض إخضاع الناس وإذلالهم. على المثقف أن ينخرط بكل ما أوتي من فكر تحرري ونقدي ليساهم في بناء المستقبل، مستقبل أبنائنا وذلك بالنبش في مكامن الخلل عن طريق كتابات وإسهامات تدفع المتلقي إلى التساؤل والحيرة عوض تلقي إجابات جاهزة تغتال فيه حس التأمل والبحث.
  • في اعتقادي أهم شيء يمكن أن يشغل الفنان في المرحلة التي نعيشها هو التواصل مع فئات كبيرةومتنوعة من القراء حتى تصل رسائله وتلعب دورها التاريخي في التغيير، ليس على حساب مقومات العمل الفني بالطبع. أتساءل هنا عن الجدوى من قصة أو قصيدة تعيش في برجها السماوي بعيدا عن انشغالات الناس الملحة، ما الفائدة من عمل يشعر الناس- بلغته الموغلة في الشرود والتجريد- بضحالتهم ودونيتهم؟الفن تهذيب للأذواق وإشراك في الدهشة، يساءل يحث ويغير. القصة كما أفهمها مثلا سحر لا يعظ ولا يقدم إجابات بقدر ما يلتفت إلى التفاصيل الصغيرة والمنسية، يخلق الدهشة ويشارك المنكوبين في مأساتهم، على كتابها والمهتمين بها خلق عوالم صادمة تمارس فضيلة الشك بلغة بسيطة وساخرة تثير القراء بتنوع مشاربهم وأوضاعهم. على الفن أن يقوم بدوره التاريخي في التثقيف ونشر الوعي بين الناس وذلك بخوضه في القضايا التي تشغلهم وتثيرهم، عليه أن يلتصق بهمومهم ويشاركهم في تطلعاتهم ، عليه أن يسخَر من القائم والطابو، يستنكر ويهاجم إن اقتضى الحال، ينبش ويخلخل كل يقين. عليه أن يصدم ولا يهادن، هكذا يمكنه التغلغل والتأثير في شعاب العالم السفلي الذي تلتقطه مخالب التطرف.

 

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014