تقرأون:
العلمانية هي الحل..
  • 381
  • 0
العلمانية هي الحل..

أتارغاتيس

  • عصر الحداثة أم عصر الانحطاط:

لا يتعب أتباع التيارات الإسلاماوية (نسبة سياسية)، بمختلف درجاتهم، من القول: “إسلامية إسلامية”.. “الإسلام هو الحل”. مقدمين شرائع الدين الإسلامي، بشكلها المجرد، كحل سياسي. غير راسمين أية حلول سياسية ميدانية ومدنية وواقعية، تُساير أزمات الحاضر، وتقترح حلولا. إنما ما يدعون إليه الرجوع لما يسمونه ب”السلف الصالح“، وأن عصرهم هو عصر “الزمن الذهبي”، وما عصرنا، بكل إنجازاته التكنولوجيا والفلسفية والطبية والعلمية والفلكية والأدبية: عصر الحداثة، إلا –في نظرهم- عصر “انحطاط“.

إن ما علينا الإشارة إليه، والوقوف عنده وقفا جليا: ما وصلت إليه أوروبا (الغرب) اليوم من مجد وتقدم. كان عصر النهضة، أو بداية التفكير العقلاني، أساسا له، أي وبداية انزياح أوروبا عن سلطة المؤسسة الدينية وانتصارها للمدنية.

عندما نراجع التاريخ والثورات التي عمّت أوروبا كالثورة الفرنسية وماثلاها من ثورات أخرى كالثورة البلشفية، تلك الثورات التي مهدت الطريق لظهور أوروبا الحديثة. تتضح أسباب تحول أوروبا للعلمانية (المدنية). فعند قيام الثورة الفرنسية كان الناس قد ضاقوا ذرعا بالكنيسة الرومانية (الكاثوليكية) التي سيطرت على معظم أراضي البلاد وفرضت ضرائب باهظة على الناس برغم ظروفهم الاقتصادية الصعبة، وعلى المستوى الروحي والفكري استأثرت الكنيسة بكل شيء فكان رجال الكنيسة يبيعون صكوك الغفران و دخول الجنة في مقابل المال و الذهب، و كانت محاكم التفتيش التابعة للكنيسة تقوم بحرب عشواء على العلم والعلماء وحاكمت كثيرين لعرضهم حقائق علمية صحيحة لكنها ببساطة كانت تتعارض مع الإيمان المسيحي الكاثوليكي والكتاب المقدس..

ما نشاهده اليوم مع تلك الحركات الإرهابية، التي تتبنى الخطاب الديني منطلقا لها، (داعش، بوكو حرام، القاعدة، جبهة النصرة، الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي… إلخ) شبيه كلّ مشابهة مع ما عانته أوروبا في القرون الوسطى. بحيث أن هذه الحركات التي صارت تتفشى كالسرطان في الأوردة، بين المواطنين، تقدم لأتباعها صكوك غفران خاصة بها، صك الإدعاء أن الحلّ بيدها وبإتباع منهجها، القائم على أثر السلف، وكتب السلف العائجة برسائل الذبح وسفك الدم. والمزيحة لخطاب تقبل الآخر والتسامح معه، هذا الخطاب الذي أعلنت أوروبا قيامها أول خطوة نحو التقدم حين تبنيها له مع فلاسفة أسسوا لخطاب إنساني كوني (جون لوك، كوندرسيه، جون-جاك روسو…).

  • العلمانية هي الحل.!

إرادة العلمانية وترك الدين جانبا أو حصره داخل دور العبادة فقط، كان هو الحل الوحيد لكي تنهض أوروبا، و في الواقع ليست أوروبا فقط هي التي قامت نهضتها على حساب الدين، فالإتحاد السوفيتي والصين في آسيا نهضا أيضا على أساس أيديولوجي مضاد للدين بعنف و يعتبره أفيونا للشعوب يعوق مسيرتها، ولكن.. من حقنا أن نتساءل عن مصداقية هذا الطرح وانطباقه على الحضارة الإسلامية فهل حقا تجربة الكنيسة في أوروبا وموقفها من العلم والعقل هو نفس موقف الحضارة الإسلامية؟ هل العلم والدين ضدان لا يجتمعان بالفعل؟

  • مساءلة التراث:

لا يمكننا الإجابة عن هذا السؤال إلا عبر الرجوع إلى التراث اللاهوتي (التاريخ)، ومساءلته تاريخيا وعلميا، وهذا لن يتسنى لنا إلا عبر الكتب التي يعتمدها أصحاب خطاب “الإسلام هو الحل” في تنظيراتهم. إن فحصا دقيقا لكتب التاريخ الإسلامي، مثل كتاب “تاريخ الطبري”، يتضح لنا أن أُسُس النظام السياسي (نظام الحكم الإسلامي) في بداياته عند عثمان (ابن عفان)، قد أسِسَ، حسب وجهة نظهره، مُستندا إلى القواعد الآتية:

– خلافة مؤدبة.

– لا مُراجعة للحاكم ولا حساب أو عقاب إن أخطأ. (حتى يتبيّن كفره وهذا لا يتسنى “للرعية” إلا إن أعلن الحاكم كفره بلسانه.).

– لا يجوز للرعية أن تنزع البيعة منه أو تعزله، ومجرد مبايعتها له مرة واحدة، تعتبر مبايعة أبدية لا يجوز لأصحابها سحبها وإن رجعوا عنها أو طالبوا المبايع بالاعتزال.

فيتضح لنا من هذه النقط الثلاث المذكورة، أن النظام الحكم الذي تأسست عليه الخلافة الأولى هو نظام “الحاكم الواحد” أو ما نسميه في زمننا الحالي ب”الدكتاتوري“، أو الدكتاتور الساذج ما دام أن حفظ القرآن فقط يأهل الشخص للحكم. هذا النظام الشبيه ب”العسكري”، بما معناه احتكار السلطة بيد الواحد، ولا يجوز الخروج عنه أو محاسبته ما دمنا بايَعْناه أول مرة. هذه الأخيرة هي ضد ما جاءت به الديمقراطية (ولو في شكلها الإغريقي البدائي). الديمقراطية التي تتبناه العلمانية في جوهرها.

  • الدستور:

أما الدستور (ضامن حقوق الفرد) هو نقطة الخلاف الكبرى التي بيننا (نحن العلمانيون)، وبين آل الخطاب الرجعي، إنهم يدّعون أو يتوهمون قائلين أن الدستور الوحيد (أو الأعلى)، والمنبع التشريعي الوحيد هو “القرآن”، نحن إن نختلف معهم فإن اختلافنا فبِكون أن القرآن كتابا عقائديا لا تشريعيا. فأين يمكن أن نجد فيه كيفية تنظيم البرلمان؟ أو الحقوق المدنية؟ ونظام الأسرة؟ أو سنوات حكم الحاكم وطرق الانتخابات؟ بل أين تتجلى فيه حقوق الأقليات؟ لسنا بهذا ضد “القرآن”، بل ما نحاوله هو وضع النقط على الفرق بين “السياسي-اليومي” (الواقعي) و”الديني-الأخروي” (الميتافيزيقي).

  • العقل أو النقل:

عودة للتاريخ الإسلامي القديم؛ إننا لنجد أنفسنا أمام أحداث لا حصر لها، جعلت من السياسيين في تلك الفترات، يقدمون السياسة (العقل) على النص (النقل). بل إن عهدا امتدّ لفترة من الزمن ليست بالهينة، تساءل فيها “المسلم” عن أي منهما يقدم: العقل أو النقل. بل إن جماعة “المعتزلة” اتخذت في فترة حكمها هذا المنطلق كأرضية أساس في حكمها.

ومن الأمثلة التاريخية: “فقد روى مالك في الموطأ، أن رقيقا لحطاب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فأمر عمر بقطع أيديهم، ثم أوقف القطع، وفكر في أن يعرف السبب الذي من أجله سرق هؤلاء فلعلهم جياع، وجاء حاطب فقال له عمر، إنكم تستعملونهم، وتجيعونهم، والله لأغرمنك، غرامة توجعك، وفرض عليه ضعف ثمنها، وأعفى السارقين من القطع لحاجتهم..”، في هذا المثال يتضح جليا تغاضي عمر عن النص، وإعماله للعقل. بل عزل النص الديني (التشريعي) جانبا، وأخذه بالواقع.

هذا الحدث وغيره كثير، مثل حدث قصف الحجاج الكعبة بالمنجليق، وغضه النظر في نص تحريم القتال داخل الحرم المكي، أو مسّ الكعبة بسوء، والواضح أن فعله ناتج عن إرادة سياسية محضة، تجاهل بفعلها النص وأعمل العقل السياسي، لينتصر لاستمرار نظام على حساب أقلية “ثورية”.. أمثلة وغيرها لا يسعفنا ذكرها كلها، توضّح الأزمة الواقعية (أو التناقض العقلي) التي وقع فيها “المسلم” قديما: بين العقل والنقل.

إن العلمانية هي “إعمال العقل”، وتقديمه على النص الجاف، وليس تأويله ولويُ عنقه ليصير قابلا ليساير الظرفية الحالية. إن تقدمنا لن يصير له إمكانية الوجود دون إقعاد العلمانية في واقعنا.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014