تقرأون:
تونس في مواجهة الأصولية السلفية: هل هو خلاف نظري أم صراع وجودي؟
  • 401
  • 0
تونس في مواجهة الأصولية السلفية: هل هو خلاف نظري أم صراع وجودي؟

حاتم الشلغمي | لقد شغلت الأصولية اهتمام الكثير من الكتّاب والنقّاد والأكاديميين في العالم العربي خاصة والعالم عامة منذ بروز تنظيمات ما بات يعرف بـ”الصحوة الاسلامية” في كل أرجاء العالم العربي تقريبا، فاشتغلوا على تفكيك رموزها واستخلاص مناهجها وآلياتها واستشراف هوامشها واستراتيجياتها وعلاقاتها ومجالات اشتغالها. ولكن لم يمنع كل ذلك من إعادة قراءة هذه الظاهرة خصوصا وأنها باتت هاجسا لدى الكثيرين في كل الطبقات، السياسية والفكرية واستطرادا الامنية والاجتماعية مع تطور الأحداث في بلدان ما بات يعرف بـ “الربيع العربي ».

تونس الخضراء، أحد بلدان هذا “الربيع” و”شرارته الأولى” كما يسميها البعض، لم تسلم أيضا من صعود تيارات أصولية للحكم وتعثّرها وبروز تيارات أخرى أكثر تطرفا للمشهد السياسي التونسي في شبه معادلة شعبية ازدادت خطورة بعد أربع سنوات تقريبا من سقوط نظام زبن العابدين بن علي.

يتساءل كثيرون في أوساط المجتمعات الغربية والعربية على حدّ سواء أنه كيف لتونس البلد السياحي الجميل وبلد تصدير الأدمغة والكفاءات أن يصبح على الحال التي هو عليه اليوم من مشهد رعب بات حقيقيا من خلال ارتفاع نسبة المتشدّدين التونسيين في صفوف التنظيمات الارهابية، إضافة إلى المخاطر التي اصبحت تهدد هذا البلد أمنيا وسياسيا من طرف هذه التيارات؟

فما هي العوامل والمسبّبات الداخلية والخارجية في صعود مثل هذه التيارات؟ وما هو الواقع السياسي والقانوني في مواجهة ذلك؟ وكيف يمكن للشعب التونسي مقاومة هذا الفكر نظريا وعمليا ؟

العوال الخارجية والداخلية في انتشار هذه الظاهرة:

-لا يمكن تفسير الظاهرة الأصولية التكفيرية اليوم بمعزل عن “الوهابية” أو “اسلام البترودولار” ونزعم أن الجميع يعلم من هي الدول التي تعتنق هذا الفكر وتدعمه وتعمل على نشره بكلّ الطرق والوسائل سواء سياسيا كانت أم اعلاميا أو ماليا من خلال دعم احزاب وجمعيات تعمل على نشر هذا الفكر والاستثمار فيه. لذلك ليس من مصلحة دول اسلام البترودولار ان تنجح ديمقراطية حقيقية ومشاريع وطنية حقيقية في دول المنطقة. لذلك بقت هذه الظاهرة هامشية نوعا ما في البنى الاجتماعية خصوصا في تونس ولكن تم تهويلها وصناعة هامش اعلامي مضخّم لصورتها، لذلك عندما نكون  على صواب في التوصيف يمكننا أن نقول أن الظاهرة السلفية التكفيرية هي اعلامية أكثر منها مجتمعية. ولكن لا يعني هذا طبعا أن المجتمع التونسي كان خاليا تماما من هذه النزعة الفكرية فبالعكس، المجتمع التونسي هو مجتمع عادي كبقية مجتمعات دول العالم الثالث حيث ثمة شرائح اجتماعية متوسطة أو هزيلة فكريا وهذا عادة ما يعود للعوامل الاجتماعية والمادّية. فمن المعقول ان تجد هذه الظاهرة قبولا لدى الشرائح الفقيرة بحيث طبيعي ان يكون الوازع الوطني هشّا، ومن

هنا لا يخفى علينا أن نحمّل الدولة القائمة تبعات ومسؤولية كل ذلك لأنها الوحيدة الماسكة بالمنظومة الاقتصادية والاجتماعية وخصوصا التربوية والتعليمية.

-استبداد الداخل ومعادلات الخارج:

منذ استقلال البلاد التونسية سنة 1956 ومع التجربة البورقيبية ثم فترة حكم بن علي خطت تونس أشواطا كبيرة وجريئة في فصل السياسي عن الديني وصولا الى مأسسة هذا الأخير ليكون مؤسسة تابعة لنظام الدولة العام دون الإعلان رسميا عن نية علمنة الدولة، وذلك ضمانا لدستورية ان الاسلام هو دين الدولة الرسمي ولذلك حافظت الدولة في كل حكوماتها على جعل وزارة خاصة بالشؤون الدينية بل عملت على تكريس ذلك، أيضا ادمجت مادة التربية والتفكير الاسلامي في مناهجها التعليمية في مرحلتيها الابتدائية حتى الثانوية كما حافظت على كلية الشريعة وأصول الدين (جامعة الزيتونة)، كما حرصت على تكوين مجلة تشريع اسلامي في روح القوانين ومن ذلك مجلة الأحوال الشخصية.

إذن، ما المشكل في كل ذلك؟

جميعنا نعلم ان تونس قد تحولت تدريجيا منذ بداية الستينات من نظام انتقالي إلى نظام استبدادي تدريجيا تركّز منذ السبعينات واستقوى في الثمانينات واكتمل مع نظام بن علي الذي كرّس أحادية الحكم ليست المتمثلة في حكم الحزب الواحد فقط بل مركزية الشخص الواحد وهذا ما أثّر بشكل كبير على الحياة السياسية والمجتمعية وبالتالي الدينية لأن الدولة المدنية الحديثة عملت منذ نشأتها على السيطرة على الدين أو بالأحرى قولبة التدين الاسلامي بالشكل التي تراه والتي فرضته. مما أدى كل ذلك إلى نسق اضطهادي يحاكم أي مظهر للتدين بصيغة جماعية ويتعاطى مع أي ظاهرة تدين بصفة حكمية أمنية فقط. ومن هنا كان الخطأ الأكبر، فوجدت تنظيمات الاسلام السياسي التي تتزعمها حركة الاتجاه الاسلامي الثغرة ليتم “تثوير” المجتمع ضد دولته “الكافرة” (حسب المنطق الأصولي) تحت غطاء نصرة الدين ضمن برنامج “الصحوة” الاسلامية التي وجدت لنفسها هامشا معادلاتيا في كل أرجاء العالم العربي والدي بقي الى اليوم.

-الواقع التونسي: أسلمة مرفوضة وعلمنة غير جاهزة للتحقق:

لا يمكننا قراءة الواقع التونسي بمعزل عن الواقع العربي والاقليمي عموما وفي ظرف عالمي دقيق يتميز بتفاوت التأثيرات السياسية والدينية أيضا. فعلى الرغم من أن دستور 2014 لم يتغير كثيرا عن دستور 1959، فرغم الإعلان الطابع المدني الديمقراطي التشاركي للدولة – بعد حراك وجدال كبيرين داخل وخارج قبّة المجلس التأسيسي-  حافظ الدستور في توطئته على التأكيد على رسمية الاسلام دينا للدولة – بغض النظر عن “تقدّمية القراءة للاسلام”- وتأكيدا على عدم قابلية هذا الفصل للتعديل وعدم المساس بالمقدسات كذلك شرط اسلام المترشح للرئاسة. وهذا لم يتغير نظريا عن ما كان موجودا في مضمون الدستور السابق، و لكن ما يميز الوضع التونسي هو التراجع أولا عن اسلامية الدولة بالمنظور الاخواني والسلفي، أي تحكيم الشريعة وتغيير النظم واشكال الدولة والمجتمع وهذا أمر رفضته كل مكونات المجتمع التونسي المعروف بالاعتدال والتسامح والحريص على ضمان تدين شعبي بسيط لا تهمه التناقضات والعنتريات السياسية وثانيا عن مطلب علمنة الدولة بصفة رسمية لما يراه البعض من القوة الحداثية عموما واليسارية التقدمية على وجه الخصوص.

 إن الحالة السياسية والدينية لتونس والعالم العربي بعامة لا تجعل من خيار العلمنة أمرا جاهزا بمعنى التقبّل الشعبي العام للفكرة وهذا يعود إلى حدة الاستقطاب الديني السياسي من جهة وعمليات تشويه المفهوم وتكفيره من جهة ثانية. فكان الدستور يمثل حالة من التراجع عن الاهداف الثنائية المتناقضة بين طرفي النزاع الأصولي والحداثي والتوافق حول النص تشاركي يفضي الى الحفاظ على تونس بتصورها الذي استخلصه دستور 59 الذي انتجه المجلس القومي التأسيسي بعيد الاستقلال والذي أمضى عليه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

مشروعان يتنافسان و الحل بيد الشعب.

بعد تجربة من الحكم الانتقالي الذي بني على تحالف ثلاثي ترأسته حركة النهضة الاسلامية شهد تعثرات عديدة وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة، شهد فيها التيار الاصولي تضخما غير اعتياديا لم يعرفه المجتمع التونسي من قبل، خصوصا، وأن هذا التيار أصبح عامل تهديد فعلي –ضمن مفهوم الارهاب- لكل رموز ومؤسسات ونسيج البلاد خصوصا بعد أحداث جامعة منّوبة والاغتيالات السياسية التي راح ضحيتها من أبرز رموز النضال السياسي التقدّمي التونسي. كما تكرّرت الاعتداءات على القوات المسلحة والقوى الأمنية في جبل الشعانبي وغيرها من مناطق البلاد التونسية بالإضافة الى الاعتداء على مواقع ديبلوماسية رسمية، حيث بات أمام الوعي الشعبي التونسي خيارين أو بالأحرى مشروعين: إما الارتضاء بالمشروع الأصولي الماضوي الذي يسعى للتمكّن من كل مفاصل وعقل البلاد حتى وان ادعى التجدّد أو مشروع الدولة المدنية الحديثة التي تضمن التطوير العلمي والفلسفي والأخلاقي لدى الوعي المجتمعي، لتضمن أيضا استقلال مؤسسات المجتمع – ومنها الدينية- عن أي تحكّم سياسي أو ديني.

في بلاد مثل تونس، فهي لا تمتلك موارد طبيعية تضمن لها فائضا ماليا ضخما، و هي بلد تقوم مواردها الخاصة أساسا على دفع المواطن للضريبة لن يكون جواب الحسم إلا للشعب التونسي الذي اكتسب – نوعا ما- خبرة  سياسية واستيعابا لمنظومة التعدد الفكري والسياسي، فهو الكلمة الفاصلة. ومن هنا يمكننا التأكيد على وجود نوع من المقاومة الجدية لكلّ الظواهر الغريبة عن المجتمع التونسي و ذلك لسببين رئيسين، وهما: أن التصور النظري لدولة الحداثة والانفتاح والاعتدال مازال موجودا لدى الوعي الجمعي التونسي الذي يميل ضمنا لذلك وأيضا تماسك الطبقة الوسطى رغم محاولات نسفها عبر الحكومات المتعاقبة خصوصا حكومات ما بعد ١٤ جانفير، لهذا ولغيره، فلن يكون لمثل هذه الظواهر التي نؤكد على هامشيتها، في حال إلغاء تمويل تضخيمها اعلاميا واجتماعيا عبر الجمعيات والمحطات التلفزية والاذاعية مشبوهة التمويل، أي أفق أو مستقبل على المدى المتوسط والبعيد.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014