تقرأون:
الدهريون أجدادنا الملحدون
  • 444
  • 0
الدهريون أجدادنا الملحدون

قاسم الغزالي
هنالك ارتباك وهوس إسلامي كبير أمام الأثر الذي أنتجته وسائل الاتصال الحديثة اليوم ، والتي مكنت الكثيرين من الحصول على فرص للتواصل وهوامش لم يحلم بها أحد من قبل للتعبير عن الأفكار وطرح الأسئلة وطرق أبواب الطابوهات المسكوت عنها أو المحرمة ..

أحد هذه المواضيع المحرمة التي باتت تؤرق مشايخ وحماة الدين الإسلامي اليوم هي ظاهرة المد الإلحادي واللاديني . يدعي بعض المؤمنون أن الالحاد صناعة صهيونية تم استيرادها من الغرب من أجل تفكيك وحدة المسلمين وزرع الفتنة ، وكأن العالم الاسلامي حقا موحد ولا تنخره نزاعات وصراعات قبلية ومذهبية بين اتباع الدين نفسه ..

هؤلاء يجب أن يعرفوا أن الفكر اللاديني كان متجذرا في ثقافة شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ، وبعد الإسلام . ونسوق كمثال هنا أجدادنا الدهريون الذين لم يعبدوا أي الهة ولم يركعوا لا لأوثان ولا أصنام ، وأصل التسمية مشتق من كلمة دهر و يطلق على من يقولون بقدم العالم أو أن العالم لا أول له ولا يؤمنون بالغيب أو الحياة بعد الموت ..

أما بعد مجيء الإسلام ، فكل المؤلفات التي وصلتنا تؤكد على أن الإلحاد كان حاضرا دائما بقوة . ويمكنك أن تطالع فقط كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني لتعرف حجم الإلحاد الذي كان منتشرا وسخريته من الوحي والصلاة والآخرة واليوم الأخر ،
ويكفي دليل آخر ، المحاكمات التي طالت كبار الشعراء والمفكرين والفلاسفة التي قادتهم للقتل أو السجن أو التضييق بسبب مواقفهم من الإسلام والإيمان بشكل عام ، وخير دليل المتنبي وبشار بن برد والرازي والراوندي وابن المقفع وغيرهم . من يقول أن الإلحاد موضى كمن يريد إخفاء الشمس بالغربال ..

هوس إسلامي

هذا الهوس له علاقة مباشرة بتنامي ظاهرة الملحدين العرب الذين باتوا يتخذون من وسائط التواصل الاجتماعي نافذة لهم على العالم ، لست هنا بصدد الحديث عن الأسباب التي تدفع الناس الى الإلحاد ، وقد يكون هذا موضوعا لمقال اخر وإن كنت اعتقد أنه بحاجة الى بحث دقيق ومفصل ، يربط العالم الإسلامي من موقعه الخاص الى علاقته بالغرب الذي بات هو الآخر يعرف اتجاها متناميا نحو اللادينية بعد أن فقدت الكنيسة للكثير من أدوارها خصوصا السياسية منها ..

الملحدون بالعالم العربي كانوا دائما موجودين لكن الذي كان ينقصهم هو التواصل والشجاعة في التعبير عن قناعاتهم ، وقد شهدت الخمس سنوات الأخيرة بالتحديد خروجا غير مسبوقا للملحدين العرب ، وإعلانهم المكشوف عن رفضهم للإسلام والدين بشكل عام ، تميزت في الفترة الاولى بظهور أصوات معدودة على رؤوس الأصابع ، كالمدون كريم عامر بمصر الذي اعتقل بتهمة الالحاد ابان حكم مبارك ، والكاتب أثير العاني العراقي المقيم بألمانيا و الكاتب بسام البغدادي المقيم بالسويد ، ويمكن اعتبارهم من أوائل الملحدين العرب الذين تحدثوا للعالم بوجه مكشوف

أثير العاني كان صاحب مبادرة شجاعة اسهمت بشكل كبير في كسر طابو الصمت ، وكانت الأولى من نوعها على مستوى العالم العربي ، تمثلت في تسجيل فيديو لظهور اللادينين العرب . ثم تجربتي الشخصية بالمغرب وما صحبها من نقاش وجدل إعلامي… بالإضافة إلى المنتديات اللادينية التي كان أغلب أعضائها يشاركون بأسماء مستعارة .

ومع انتشار الفايسبوك ، نشأت مجموعات خرى من الملحدين الذين كانوا يختارون أسماء مستعارة للنقاش على الشبكات الاجتماعية خوفا على سلامتهم الشخصية ، وقد صاحب هذا الخروج إلى الضوء الذي أحسبه الأول و الأكبر من نوعه انتباه العديد من وسائل الإعلام سواء العربية و الدولية لظاهرة الملحدين العرب ، والمضايقات التي يتعرضون لها ،
ومع اتساع شبكة الملحدين العرب على مستوى الإنترنت بدأ الكثيرون في تجاوز مخاوفهم وتحدي السلطات والأعراف الدينية بالإعلان عن هوياتهم وأسمائهم الحقيقة .

طبعا هذا المد وإن كنت أفضل التعبير عنه بالإعلان المتنامي عن الإلحاد ساهمت فيه شبكة الإنترنت ، وبتنا نسمع يوميا عن ملحدين عرب على شبكة الفايسبوك وانتقل الكثيرون من العالم الافتراضي إلى الواقع ، ولم يعد الملحدون محصورين في بعض النخب الثقافية أو السياسية المحسوبة على اليسار وبعض الأسر البرجوازية كما كان في الماضي ، بل بات لدينا ملحدون من مختلف الانتماءات السياسية وأحيانا كثيرة دون انتماءات محددة ، وبخلفيات وألوان ثقافية واجتماعية عديدة ، وعدد مهم منهم جاء من قلب التنظيمات السلفية وأخواتها .

تٌركت هذه الفئة من المجتمع التي كانت تعيش في الظل تعاني من غياب الضمانات القانونية التي تُجهض أمام الفصل القاسم بين كل الدساتير العربية وهو التنصيص على أن الإسلام هو دين الدولة والمصدر الأساسي في التشريع على مستوى قوانين الأسرة ، وأيضا القوانين الأخرى كالتي تجرم الإفطار العلني نهار رمضان. وإلى حدود اليوم لا يمكن أن يمر فصل من سنة دون اعتقال ملحد ، أو طرد آخر من العمل ، أو الاعتداء الجسدي على أحدهم من طرف حماة الإيمان والعقيدة ..

حرية أم ازدراء .. ازدراء أم حرية ؟
على الفايسبوك ، ستجد ملحدا من النوع الذي يناقش ويدافع عن رأيه بشكل عقلاني دون شتم أو تسفيه لمعتقدات الآخر ، وإن كان هذا المستوى من النقاش رغم مراعاته لمشاعر المؤمن يجد ردود فعل حادة وخطرة جدا ، ويكون صاحبها عرضة للتهديد بالتصفية والسجن والاضطهاد بجميع أشكاله وأنواعه. وهذا رد فعل طبيعي وعادي إذا أخدنا عقلية المسلم والكيفية التي يميز بها بين الخير والشر والخط الذي يرسمه على رقبة هذا الأخير ..

قد تصادف أيضا ملحدا ينشر صورا كاريكاتورية للنبي محمد ، أو بعض العبارات التي يمكن اعتبارها مسيئة لله والدين والملائكة ، وهنا طبعا نكون أمام رد فعل من الغضب والإرهاب والتنديد من طرف المسلمين لمثل هذه الافعال. أو ستصادف من يختار الاستهزاء والشتم ، وبالموازاة مع ذلك يقدم نقدا موضوعيا ومقبولا مثل ما يقوم به على سبيل المثال مدون اليوتوب ملحد مصري …
وقد اعتقلت تونس بعد الثورة شابين من أجل نشر صور مسيئة للرسول وحكمت عليهما بسبع سنوات ونصف سجنا . وبالكويت اعتقل المدون عبد العزيز محمد الباز المعروف بابن باز. كما اعتقلت مصر شابا يدعى ألبير صابر بنفس التهمة  أي الإساءة للدين ، كما اعتقلت الشرطة المصرية الطالب شريف جابر والتهمة دائما مطبوخة ومعدة للتقديم …

من خلال حضوري لجلسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف ،
وجدت أن هنالك بعض الدول الإسلامية المتشددة في تطبيق قوانين الردة ومعاقبة المسيئين للرموز الدينية الإسلامية ، يدافعون عن موقفهم من هذه القوانين ، باعتبار أن الدول الأوربية أيضا تتوفر على قوانين الكفر التي تجرم الإساءة لمعتقدات الاخرين ..
وهي بالمناسبة قوانين وضعت في سياق مختلف والمحاكم الأوربية بدأت تنتبه لهذا الأمر، و لم يعد ممكنا اليوم اعتقال أي شخص من أجل تعبيره عن رأيه من المسيحية أو اليهودية أو الإسلام عن طريق مقالة او نشر صورة كاريكاتورية مهما كانت تحمل من سخرية واستهزاء بمعتقد الآخر ، لكن الغاية من هذه القوانين أو لنقل جوهرها يهدف الى محاربة خطاب الكراهية والعنف ضد أتباع الديانات ، وهي الخطب المنتشرة بكثرة في العالم الاسلامي ولا يتم الانتباه إليها ، وغالبا ما يغض الحقوقيون الطرف عنها خوفا على مصالحهم وحتى لا يتم اعتبارهم أعداء لله والدين  ، لأن العرف يقضي بأن أي محاولة لإدانة هذه الخطب الإرهابية تجد من يعتبرها تجديفا وكفرا ..
أما في الغرب فإن القانون يعاقب كل من يحرض ضد المسلمين ، كأن يقول شخص ما أن المسلمين خنازير ، أو يجب نفيهم خارج أوربا أو قتله م. في المقابل لن يعتبر الحديث عن الإسلام ، أو أحد شخصياته التاريخية أو ورسمها أو صناعة شخصيات كرتونية تشبهها أمرا مخالفا للقانون ، لأن هذا يؤخذ من باب حرية التعبير ، وقد تابعنا كيف قضت المحكمة الهولندية ببراءة النائب البرلماني خيرت فيلدرز باعتبار أن كلامه لم يكن موجها للمسلمين وإنما للدين الاسلامي . والأمر سيان بالنسبة للأديان والمعتقدات الاخرى . لأن الدولة هنا تأخذ نفس المسافة من الجميع ..

شخصيا ، وبناء على رؤية تقيس الأمور بشكل متوازن ، لا أحبذ سب الأديان ، ولست من أنصار من يقومون بذلك طوال اليوم على شبكة الإنترنت ، لكنني أفهم جيدا الظروف التي تخلق مثل هذا النوع  من رد الفعل المتعصب ، فحينما يحكم عليك أن تعيش بمجتمع لا يقبل بخصوصيتك الثقافية والعقدية وتكون يوميا عرضة لمواقف تجد نفسك مضطرا إلى كتم أنفاسك أمامها والمضي جارا قدميك دون أن تبدي رأيك كما هو ، فأن المنفذ الوحيد لتصريف كل هذا الغضب والاحتقار الذي يطالك ، يبقى محصورا في صفحات العالم الافتراضي ..
ورغم أنني لا أتفق معك إلا أنني أدعم حقك في ذلك ، لأن معتقدات الآخر تستمد قداستها من الايمان ، وبما أن شرط الايمان غائب عندك ، فأنت غير ملزم باحترامه وإلا فأننا نبرر ونشرع قوانين من قبيل ازدراء مشاعر أنصار الرأس مال ، وازدراء محبي السلطة بالبصل   أو سيد الخواتم ..
لكن وقبل أن أودعك أيها القارئ ، يجب أن نتفق بأننا نؤمن بالإنسان ، وقداسة الإنسان ، وبالتالي فلن أدعم أحدا إذا تورط في انتهكاك حقوق الإنسان ، وما أكثر منتهكيها من أتباع نادي الأديان ..

 

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014