تقرأون:
المتخيل والمقدس: الكون والشكل
  • 311
  • 0
المتخيل والمقدس: الكون والشكل

عبد الحق أمزوز

إن محتوى هذا العدد يجسد وجها آخر من تاريخ الفن العام ، إنه من وجهة نظرنا تحديا ومجازفة حين نحاول النيل من دلالات ورموز وألوان لأشكال تستمد طاقتها الروحية من مواد تصويرية ، حبر ورصاص ، شمع وماء ، تراب وحجارة ، ألياف ومعادن … كلها مواد شاهدة على لوحات وإبداعات معقدة ، غاية في التركيب … ميزتها السمة الطوعية والذاتية والارتباط الأزلي بالمقدس وما تحمله التصورات الدينية والبطولية في نظرتهم الخاصة للجزء الآخر من هذا العالم .

في أعمال تجلت بوضوح في محاكاتهم للشيء . هذه الأمم لن تعرف من الفن للفن ، إلا بما انتشر بعد عهود من الزمن ووظف بشكل محدود في الأعمال التشكيلية لفنانيها المعاصرين ممن يعود لهم الفضل الكبير في التأويل الصحيح والتشخيص الأمثل عبر دراسة إيكونغرافية لفك رموز وألغاز لغة طالما لفها الغموض ، ونخص بالذكر عن هذه الصحوة الفنية والأدبية لتركيبات الفنان التشكيلي البرازيلي : ريو دي لابلانا ، والفضل يعود أيضا للجداريات المكسيكية عند الفنان غمارا خوسيه والفنان فرناندو بوتيرو ، وللتشكيلات المتحركة ذات الانعكاس المتردد عند خوسيه سوتو والفنان كارلوس كروز دياز …

إن جذور أي فن ممتدة في عصره ، ولكن الفن الأرفع ليس مجرد صدى أو مرآة لزمنه ، بل إنه فوق ذلك يملك قوة النبوة … فهذا الحشد من الأعمال والأفكار الفنية التي جعلت من هذا الكون هدفا لمشاعرها ومصدرا لإثارة أكثر رقة وصعوبة في تحويلها إلى كلمات لغوية . تلك الأعمال شكلت منذ عهود تحركاتها التصويرية وانتقالها على مراحل تجريدية لغة تواصل بين شعوب المنطقة الأمريكية الوسطى عبر ببيكتوغرافيا ، إنها مع هذا الجزء من العالم بداية التركيب ومحاولة للعثور على الروابط المنسية بين الظواهر والمقدس .

رفع الستار عن حضارات شعوب منطقة أمريكا الوسطى ، حوالي 1200 قبل الميلاد ، والتصنيف في العهد الكلاسيكي الأول الذي يعتبر مقدمة لحضارة الألمبيك على ضفاف الخليج المكسيكي مركزها الأول لافونتا ، أو جزيرة تاباكو الحالية بل امتدت إلى الساحل الباسيفي وغواتيمالا لفترة دامت 8 قرون . إبتكروا خلالها تقويمهم الزمني ، كما أفرزت أولى كتاباتهم الهيدروغليفية ، هناك حيث استثمر شعب الألمبيك فنه في النحت على الحجارة المرتبط بالخلق والألوهية وموائد القربان والأهرامات والمعابد .

وما يثير فضولك لأول وهلة هو مشاهدة منحوتة الرضيع جاكوار والخوذات المزركشة ، الكتابة الهيدروغليفية على رؤوس مجسمة لرؤساء يقفون وجها لوجه ، أو منحوتة السفير  مصقولة على البازلت أو ما يعرف بالحجر الأسود . كل مجسم بخصوصيته المختلفة عن الآخر من حيث الفوارق الإثنية والسياسية لهذه المجتمعات الأوتوكتونية .

لهذا العهد الكلاسيكي انتسب تيوتيواكان – مايا الكلاسيكية – أو مرتفات البان ، ومرتفعات وكساكا ، أي بعد نهاية الألفية الأولى قبل الميلاد ، ومع بداية القرن الميلادي الأول ظهرت حضارة المايا في مرحلتها الثانية ومركزها يوكاتان التي نشأت وسط جبال وسهول شولولا وطلاكسالا في بلاد الطولتكيين …

ففن االمايا يعد من أعرق الفنون البدائية وأرقاها جمالية . ويبدو أثره جليا في نصف مجسماته ، لوحات العبيد ، ثوابت المعابد ، العظام المنقوشة ، والحلي المرصعة بالحجارة الثمينة ، وبعض المداخل المميزة والشبيهة بفن الأراسبات .

أسلوب المايا … مزيج قوي المتانة والأصالة بخصوصيات لا يمتلكها غيره ، حيث الألوهية ، الأسقف ، والمنصات الميتولوجية ، انتصار الملوك ، الاحتفالات الراقصة ، الأركسترا ، ونساء النبلاء ، الاغتصاب ، وأمراء الحروب في ثوب من جلد الجاكوار ، مكللين بتيجان من الريش ، وزينة المزهريات الخشبية المزركشة بالبوليكروم : مزهرية نوباج نموذجا بمتحف برتيش …

بين الألمبيك والنيوتيواكان على الهضبة الوسطى بين يكوتان وغواتيمالا نشأت مدينة ، زحف سكان الشمال في القرن التاسع ، أخذوا عنهم قسطا من إرثهم الثقافي الذي ميزهم عن سابقيهم من الألمبيك … حيث التصورات الكسمولوجية عوض التصورات الميثولوجية ، وتماثيل نساء يرتكز عليها سقف المعبد الكبير والتي لم يكن لها وجود عند الأسلاف ، والأفعى ذات الريش الموصوفة عند تيوتيواكان برمز الخصب ، أصبحت عند شعب تولا إله لنجمة الصباح ، بل كان لهم الفضل في إسهاهم الكبير نحو تطوير كتاباتهم على الحجارة والجلد ، فكانت في آن واحد بيكتوغرافيا وإيديوغرافيا وكذا فنونتيكية ، كما تدل عليها النقوش الهيدروغليفية للماء على إله الزوبعة بالهندوراس الحالية . وترمز اللوحة الفنية للتقويم الذي اعتمده شعب أمريكا الوسطى في تحديد الاتجاهات الكبرى عبر تصورهم الأتوكتوني للفضاء الزمني لديهم الذي تحمل رمزه دلالات حول نظرتهم الكونية : الأرض ، الشمس ، نظام الحركة الكونية … في هذه اللوحة يبدو الإبداع على مستوى الشكل – البيكتوفرافيا –  ، وعلى مستوى اللون الذي يجسده البوليكروم ، يعبر عن معتقداتهم وإيمانهم العميق بالأسطورة .

الأزتيك غزوا منطقة أمريكا الوسطى مع بداية القرن الخامس عشر ، وبادروا إلى تأسيس دولتهم ولف شعوبها لتأمين حدود بلادهم من المحيط إلى المحيط ، على الهضبة الوسطى وفق كونفدرالية جامعة لشعوب المنطقة ليندمج الكل بعد ذلك في وحدة المعتقد . استمد فن الأزتيك جذوره من تقاليد وثقافة تولتيك ، لعلمه الوثيق بمبدعي الألمبيك وتيوتيواكان … إنه فن إمبريالي ..

النحت عند الأزتيك :

من خلال الأطلال المتبقية مازالت شواهد فريدة تنبني عن خاصياتهم التقنية وقوتهم الرمزية ، حيث القضايا الدينية والكونية : النصب الأثري يحمل رمز آلهة الأرض كواتليكي- والإله تلالوك – إله المطر والخصب – وكوسوشيبيلي – إله الشباب والورود ..

الكون والشكل :

عندما نغوص في مجتمعات ما قبل الإسبانية ، في هذا الجزء من العالم يتبادر إلى أذهاننا أسئلة يلفها الغموض حول المواد المستعملة وعلاقتها بالتقنيات المستعملة آنذاك في إبراز ثقافة محيطهم ، هل طوعوا أعمالهم بنفس المواد والأدوات ؟ يبقى الجواب أن كلا من هؤلاء المبدعين ابتكر  لنفسه أداة تخصه في تصوير أشكاله الفنية وإبداعها كما تدل على ذلك وترمز إليه سيكولوجية كل عمل فني .

وأنت على مشارف مدينة شافان البيروفية ، في أعلى المرتفعات على مستوى البحر ، تستوقفك الطبيعة منتصبة على زوايا قائمة لوحات صخرية من البازلت ، مجسمات ،تماثيل صقلت ونحتت فوق أعلى القمم شاهدة على حضارة وتاريخ أمم هناك ، المايا ، الأنكا ، والآزتيك ، تماثلات أفرزت آلهة ملوكا ، أمراء حرب ، أسقفا ، في الصنف الأعلى ، ومنها ما ارتبط بالخصب والشعوذة ، فمبدعي الشاقات صقلوا تجربتهم على الصخور والأحجار … أما مبدعي النازكا فقد كان لهم مع الخزف والطين ارتباطا روحيا ، وأسس فنانو تياوانكو حضارتهم على ابتكار المعمار المونوليتيكي وأحسن الشيميون في استخدام الريش والمعدنة .

استخلص شعب الأنكا هذا المزيج من الابتكارات والأعمال الفنية في نتاجه الثقافي الإمبريالي ، والتي أعطت شحنة قوية لرموز تشكيلية عن الثقافة الهندوأمريكية ..

الشافان :

عالم الأشكال لدى الشافان الذي كشف عنه النقاب من خلال قيمته الفنية ، ودرجته العالية من التقنية وتطويع مادته التصويرية على  فضاءات صخرية متنوعة قلما نجد لها نظيرا في حضارات أخرى إبان القرن – 400 ق م 1500 – نقشوا أشكالا غاية في التعقيد والتركيب ، ومن روائعهم : الصخرة رايموندي المجسدة في تشخيصها لجسم شبه إنسان – أنتروبومورفي – مرتبط التركيب من الأفاعي ، العقارب ، الحوت ، إنه الإنسان الجاكوار ..

باراكاص – 200 ق م 1100 –

حضارة بلغت أعلى المستويات من حيث الإنتاج الفني ، خاصة في مجال النسيج  ، بلغ عصرنا الحالي لعوامل إيكولوجية خاصة بالمنطقة ، أبدعوا في إعداد الهدايا ، عباءات ، وأفرشة ، والقماش الشفاف ، والشباك القطنية .. ارتباط روحي ومقدس ، مجسمات ذات التركيبات المعقدة ، تناغم في جمالية اللون ، تميزوا برائعتهم : العباءة الهندية ، قاعدة القماش من الصوف أو القطن خيطت عليها أشكال متعددة ومختلفة جاكوار على أسلوب الشافان ، زواحف ، سمك ، طيور ، أيادي ، رؤوس مقطوعة … عناصر كلها تتميز بالحرية التشكيلية على مستوى الحركة ، وما يثير و يشد الانتباه  هو ذاك التوازن البوليكرومي للألوان …

النازكا :

رغم ما عرفه مجال الخزف عند الشافانيون ، فالفضل الكبير لشعب الموشيكا أو النازكا – 200 ق م 600 ب م – حيث أبانوا على اختلافهم الواضح في تبنيهم الواقعية ضمن أشكالهم وابتكاراتهم الفنية شكلا ومضمونا ، مجسدة للحياة اليومية والمتمثلة في الاحتفالات الرسمية : طبول ، مزامير ، راقصون ، قناصة ، صيد وحروب … أشكال أنتروبومورفية محاطة بهندسة تشخيصية لمجسمات من الواقع المعيش ، حيوانات ونباتات ، أواني وأدوات … الأشكال والألوان ذات البعد التشكيلي له من الارتباط الروحي بالطين ما يجعله مادة مقدسة ، خلدها فنانو الموشيكا في رائعتهم الخزفية – أسلوب واكاوس روتراكوس – إنها رسالة ذات حمولة فنية وشحنة قيمة ووثيقة شاهدة ..

الشيمو :

الشيميون -1000 م 1470 م – تميزوا بفن استخدام وتوظيف الريش والذهب ، ملاذهم الروحي والمقدس في المادة التصويرية لديهم ، الريش الذي استعملوه في خياطة ملابسهم ذات قاعدة الصوف أو القطن ، وكذلك في قلاداتهم والحلي للتزيين ، إلى غيرها من بزات منسوجة خاصة بالاحتفالات ، لها من الجمالية ما يجعلها فن قائم بذاته ، ومن التقنيات ما يجعلها عازلا في مقاومة تسرب المياه . طوعوا معادن في تصوراتهم الفنية ، إذ تعد روائعهم في فن الصياغة – الحلي وصناعتها – من روائع الفن العالمي .

تفوق الشيمو في تقنيات عدة : الفولاذ والتلحيم ، والطلاء المعدني ، والتذهيب ، كما مزجوا بين المعادن لاكتساب صلابة ومتانة لأعمالهم الفنية وأدواتهم اليومية ..

ومن ضمن الوثائق الشاهدة على رقي وازدهار فن هذا الشعب ما جاء على لسان المؤرخ الإسباني خوان توركيمادا :

بالنسبة لفن المعدنة والقولبة المميزة للتركيبات الفنية في أعمال الشيمو ، نسبة درجتها العالية من الدقة في صياغة الحلي من الذهب والفضة وصقل الأحجار النفيسة ، كان آية في الإبداع والجمال تفوق بكثير الحلي والجواهر الإسبانية لدينا ، بل ألهمت فناني وصناع الحلي الإسبان ، كونهم استطاعوا آنذاك صنع عصفور برأس ولسان وأجنحة متحركة خاضعة لتمفصلات ميكانيكية ، كذلك الشأن في صنع قرد وحيوانات أخرى ذات أطراف متمفصلة تحمل أكسسوارا تبدو به وعليه راقصة متحركة ..

كان لبانوراما الثقافة الهندية امتداد عميق في تحويل وتطوير الإنتاج الفني لأمريكا الوسطى بفضل الحكم الأمبريالي للأنكا المختلف تماما عن البنيات السابقة للمجتمعات الهندوأمريكة وذلك بمنظومته المركزية التي جعلت من الفن مؤسسة مندمجة في واقعها الاجتماعي …

إنه لمن الأهمية بما كان لدى معمار حضارة الأنكا حيث الحس الإبداعي والانتداب الروحي للإرث الثقافي للتيواناكو ، كوزكو العاصمة … ميزتها تلك الحلة المصقولة لأعلى درجات الفن الأنكي ، حصن كوريكانشا المحاط بالساكنة والمرافق الحيوية التي تتخللها قنوات حجرية لتزويد السكان بالماء الصالح للشرب المتدفق من أعلى الجبل … واجهات القصور والمعابد مزركشة بطلاء وصفائح من ذهب ، وعلى بعد كيلومتر واحد من العاصمة تقع قلعة ساكسوامان ، في أعلى الهضبة ، شاهد عيان على عظمة هذا المعيار حيث الجدار الأمني المركب من حجارة الميكاليت والتي تزن الواحدة منها 200 طن ، منحوتة ومصقولة على شكل منشار وفق زوايا هندسية مدققة لصخور يبلغ قياس ارتفاع الواحدة منها حوالي سبع أمتار ، تركيب محكم الدقة الواحدة والأخرى …

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014