تقرأون:
خواطر
  • 516
  • 0
خواطر

أسماء الشهاوي | هنا في عتمة الظل الأحادى المكتحل بالأضبة، في أحشاء الهواء المختنق بأنفاس هوى الوطن، وفوق الأرض المضاجعة للصخر المتوسده بالحجارة، وعلى جدران الكهولة المزركشة بالصبا بنافذة أمل حديدية صغيرة، وعلى الأسلاك المتراقصة في أرجاء الأجساد كرقصة المذبوح من الآلم.. هنا دولتنا!

هنا.. نسكن عشوش الدبابير المحلقة فوق الأكتاف السوداء، نسكن تحت أقدام الطواغيت، تحت السطو والقمع والإرهاب والإجرام والقتل، والحاكم في أعمارنا أشعث أغبر سادى مخبول، يفصل عن جلودنا العظام يتجرع دماء ضحاياه ويدهس بغّلٍ الضلوع، يحنط الرؤوس على أجزاع النخيل، ويضع الأساور في عنق الحرية، والحُلم على أرصفة العنابر.

هنا.. يا أماه

أبكي، أصرخ، أتألم، أهتف، ألعن، أُعذب، أذل، أرسخ، أبيع، أصمد، أخر، أسأم، أهزم، أصدم، أستغيث، أموت ياأماه.

هنا تغير كل شيئ.. ملامحي، ثيابي، طموحى، آمالي، رائحتى، رائحتك ورائحة الوطن، أصبحت وحيداً أقتسم الأوجاع مع الوهم فلا مؤنس ولا أنيس.. تغيرت كثيراً.

وإنى جائع ياأماه فهنا يخلطون الطحين بالذل ويخمروه بحليب الأبكار ثم يوقدون بإبراهيم النار، ثم لا ننال إلا الململس رغيف خبزاً واحداً لثلاثة وعشرون رجلآ.. البطون خاوية.. وبطوننا تحترق والقيامة لم تقد بعد.

ياأماه، قولي ل الله لعله يسمع منكِ، توسلي له أن يغفر ذنوبنا، أن يضع المخدر في كؤوس الاسجود فالألم أمتد لآخر الآرض وأصبح لا يطاق، والجراح كسوله لا تندمل، فيشطرون جُرح البدن ويطهون لحمنا.

هنا ياأماه.. وطن صغير مات صاحبه ثم جاء صاحب آخر فمات.. ثم جاء آخر فمات أيضاً.. وأخيراً أتى الموت على أعتابه.. ليجد في عيناه الأعاصير تتوسل رحمة السجان كي أنتحر.. هنا قتل قابيل آدم وعكف موسى لأبيس وأكل الذئب يوسف.. والأئمة يضاجعون الفواحش قبل العبادة ومسابح الحقد تبقر أحرف الشاعر وتلتهم مزامير العازفين.

ياأماه.. مات محمد ولم نجد ماء ليغتسل سوى البكاء، كنا نغترف من آبار الأحزان والخوف التى لا تجف، فصنعنا من أطرافنا له كفن وانتظرنا حتى ثمل الجلاد من دمائه وأقمنا جنازته.. وودعته بآسي الجدران والحجاره وعصا وسكين القاتل وأنيابه، وقرأ عليه الآيات خطيب الروح.. مزهوق الروح.

وكانت زوجته تأن في الوطن المجاور، الوطن الذى يسكنه الصبايا، أمواج صوتهن مجدولة على حوائط الذل، يغزلن أثوابهن بأشلاء بعضهن.

عار ياأماه..هذا فوق أى شئ فوق كل شئ لا يوصفه شئ، هنا لم نرى بشراً قط فأخبرينى هل ظل في الخارج إنسان؟

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014