تقرأون:
تغليف الخرافة بالعلم
  • 404
  • 0
تغليف الخرافة بالعلم

ميلاد سليمان

أحيانا يلجأ البعض للأكاذيب والحيّل لتوصيل فكرة معينة ، مرة بحُسن نية، ومرة أخرى بتعمُد التغييب ونشر الخرافة ، خاصة وإن كانت صعوبة هذه الفكرة لا يتوفر لها الأمثلة المُبسطة الكافية لشرحها ، أو ربما لصِغر سن المتلقي ، قليل الخبرة وقليل الإطلاع ، والذي سيرضَى بكل ما يُلقى إليه. لكن المتلقي لا يقول “آمين” دائمًا ، فالعقل الإنساني إذا قيدته بفكرة أو موضوع ، سيعرف –ولو بعد حين – كيفية الفكاك منها ، فقط لو  استطاع أن يسأل السؤال الأدق ، ذلك السؤال الذي يُفكك الكون ويُعيد تركيبه من جديد …
وفي حوار بسيط ، يحمل العديد من الدلالات ، تم بين دكتور نساء وتوليد مع طفلة صغيرة ، تتبلور إشكالية “آليات التوصيل ” الخاصة بتغليف الخرافة لتبدو علمًا ، بين الطريق الذي يتخذه كلٍ من المنهج العلمي الحديث القائم على فرض الفروض والملاحظة ووجود مقدمات ومشاهدات ثم التجريب للخروج بالنتائج ، وبين المنهج الخرافي البدائي الذي يستند على الخرافة والغيب كمفسر وحل واحد أول لكل إشكالية تواجه العقل في مراحل نضجه الأول ى، مما يولد فيما بعد العديد من العلوم الزائفة :
الطفلة : ما هي وظيفتك !؟
الطبيب : أنا دكتور متخصص في قسم النساء والتوليد
الطفلة : وما هو هذا التوليد الذي تتحدث عنه ؟
الطبيب : حينما يكون هناك طفل داخل المرأة… يتم استدعائي لإخراجه منها

الطفلة : جميعنا يعرف أنه لا وجود لهذه المهنة على الأرض .. وأنت لا تفعل ذلك .. بل طائر اللقلق هو من يحضر الأطفال
الطبيب : من أخبرك بهذه المعلومة ؟
الطفلة : إنه أبي
الطبيب : وهل صدقته ؟
الطفلة : نعم إنه أبي… ولا يكذب عليّ أبدًا ..

الطبيب ، وقد شعر ببعض الحرج ويحاول (توفيق) قصته مع قصة والد الطفلة خوفًا من إن يصدمها بكذبة والدها : طائر اللقلق إذن يضع الأطفال داخل الأمهات .. ويتم استدعائي لإخراج الطفل .. هل تتفقين معي الآن ؟

الطفلة : كلا .. كلا… بل طائر اللقلق يحضر الطفل في لفافة قماش بيضاء.. ويضعه على باب المستشفى أو في سرير الأطفال .. وتذهب الأم إلى هناك وتحضره .
الطبيب : ولماذا لا يحضر الطائر الطفل إلى الأم في منزلها مباشرة… بدلا من ذهابها إلى المستشفى ؟
الطفلة : لأن أجنحة الطائر ستتعب من بُعد مسافة المنازل طبعًا… هذا أمر واضح للجميع
الطبيب : موافق .. موافق .. ومن أين يحصل طائر اللقلق على الأطفال إذن ؟
الطفلة : من الجنة .. حيث يقفون هناك في صفوف كبيرة .. وهناك ترتيب معين .. يأخذ الطائر به الأطفال ليحضر طفل لكل أم في ميعاد معين .
الطبيب : وبماذا تفسرين حمل الأم .. وزيادة وتضخم بطنها في فترات معينة ؟
الطفلة : ببساطة ذلك بسبب زيادة الطعام وتكون الغازات بالداخل
الطبيب (يضحك ): شكرًا لكل هذه المعلومات القيمة جدًا
الطفلة : ولكنك لم تخبرني .. ما هو عملك ؟
الطبيب : أنا ببساطة طبيب أطعمة وغازات
تلقين الخرافة بانتظام من الأب ، ورّث دوجما العناد مع الابنة ، مما جعلها ترفض التفسير العلمي المناسب للحالة موضع الحديث (الحمل والإنجاب)، حتى مع محاولات الطبيب تبسيط الفكرة لها بشكل علمي ، ولكن الرابطة بين الابنة وأبيها ، وتكرار واستمرار التأكيد ، جعلها ترفض أي تفسير مختلف عما سبق وقدمه لها ..
في حياتنا ، هناك العديد من الأمور التي لا نفهمها ، فيظل الحُكم عليها ، سواء بالتفسير أو التوضيح ، معلّق . بينما الدين لأنه يفرض نزوله من المصدر المطلق ، يرفض التوقف عن الحكم على أي شيء ، يدّعي التعالم والتفقه في كل شيء ، بل ويوجِد الآيات والأحاديث المساندة لمنطقه الأعوج في التبرير والتلوين ، حتى تأتي لحظة صدمة الوعي ، التي يحاولون تأخيرها قدر المستطاع ، فالطفلة ستكبر ، ولن تجد ما تم زرعه وبذره فيها يشبع رغبتها للمعرفة ، فتبحث وتقرأ وتتعمق وتسافر ، وتزداد خبراتها وثقافتها ووعيها بالعالم من حولها ، فتحطم أوثان الخرافة الواقفة على نواصي عقلها. أما لو كبرت ولم تنضج عقليًا وفكريًا بما يتلاءم مع المرحلة والسياق اللذين تعيش فيهما ، فهنا سيحدث الصدام ، الذي يؤدي لزيادة انغلاقها على نفسها ، وهروبها من الحاضر إلى الماضي الذي يحتوي بظلامه جهالة الخوف من الحياة …

 

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014