تقرأون:
الإنسان: اليأس كمفتاح للعالم 
  • 441
  • 0
الإنسان: اليأس كمفتاح للعالم 

اجرعام محمد

 هناك أشخاص اختاروا لأسباب متعددة تلك الرؤية السوداوية تجاه العالم ..

صراحة صاحب تلك الرؤية السوداوية غالبا هو إنسان يائس من شيئين : من الناس لأنه فقد ثقته فيهم .. و من الحياة التي لا جدوى منها .. لكن هذا اليأس من الحياة و من الآخرين ليس يأسا عابرا .. بل هو يأس متجذر نحتته الظروف و التجارب و التفكير المتواصل في الجدوى أو المعنى من الوجو د.. و النتيجة التي يتوصل إليها هي الحسم في عدة أمور بطريقة نهائية كما حدث مع الفيلسوف العظيم  شوبنهاور في مؤلفه العالم إرادة و تمثل .. و كما حدث مع الفيلسوف الروماني/الفرنسي إميل سيوران  .. الحسم في مسائل و مفاهيم مثل الغاية و الهدف و المعنى أو الجدوى ..

هذه المفاهيم ، أضف اليها كلمة مفهوم المطلق فهي لا تهم الانسان اليائس .. بل لا يهمه ما يقع في الحاضر و الماضي و لا المستقبل .. لكن ما الذي يجعله يتحمل مكوثه في هذا العالم الذي يئس منه ؟؟ إنها تلك المثل أو الوهم الجميل مثل الفن و الرسم و الموسيقى و الموضوعات الإستيطيقية.. انا شخصيا أضع المرأة كموضوع استيطيقي في اللوحات لأنني كميزوجيني يئست منها ، فهي كائن منحط في نظري لا معنى من وجوده .. وجودها متساوي مع عدمها .. لكنها جميلة في اللوحات و المواضيع الفنية التي تجسد جمالها .. عدا هذه الأمور فأنا لا تهمني الحقيقة او الوصول إلى الحقيقة لأنها تؤدي إلى الجنون أو الانتحار ..

 لكن قد تؤدي إلى طريق ثالث هو طريق الانسان اليائس .. إلى لامبالاة التامة و هذه في نظري درجة عالية من التجرد.. الانتماء إلى اللاإنتماء .. لا شيء يدفع اليائس تجاه الانتحار   فلا ينتحر إلا المتفائلون كما قال نبي العدم إميل سيوران .. أما اليائسون فلم يعد لديهم مبررات تدفعهم تجاه الانتحار ..

إنسان مثلي لن ينتحر أبدا ، و أنا واثق من ذلك .. لن أجن أبدا لأنني أصلا مجنون و مضروب بمرض السبق العقلي أو الابداع الذي هو تجلي من تجليات الجنون .. كذلك أنا لا أشعر بالحزن كثيرا..ما الحزن ؟؟

الحزن سعادة نخشى على زوالها .. لكن لماذا أخشى ؟؟ اليائس ليس لديه ما يخشى من زواله فلا أمل في أي شيء .. لا شيء أنتظر قدومه .. لا شيء يهمني وجوده أو زواله ..

الأمر سيان .. الخيبات متكررة .. فشل يتبعه فشل ، أتلذذ بالفشل .. فاللذة مفتاح الخير , ما الخير ؟؟

الخير هو التصالح مع الألم و عدم الخوف من زوال اللذة .. الموت زوال كلي للذات .. لهذا يحاول اليائس من خلال فلسفته أن يفكك ارتباطه مع الأشياء من حوله .. أنا مثلا لا أجد أي معنى للوطن .. الوطن صدفة جغرافية .. أما العائلة و جنس النوع فهي صدفة بيولوجية .. و لا معنى للعلاقات مع الطرف الآخر لأنها محكومة بالفشل ..

.. لهذا قاطعت الزواج

و تكرار النسل لأن الإنسان مشروع فاشل ..

أنا شخصيا أكره انتمائي للبشر .. بل إني أعتقد بأن التوازن سوف يعود للنظام اذا ما انقرض البشر .. فالإنسان كائن أفسد العالم .. أنا لا أرى أي أمل في إصلاح البشرية و لا أدعو إلى إبادتهم كما قال سيوران في بعض شذراته ..

 و لست متصوفا زاهدا عن الحياة كما فعل بوذا , اليائس شخص تخلص من ثنائية الحب و الكره .. لا أكره البشر حتى أدعو لإبادتهم .. لا أحبهم حتى أساهم في تخصيب الأجنة .. ،  , كل شيء باطل .. لا معنى ..

كل شيء هباء و ريح تهب في الصحراء .. كل شيء متساوي .. إن كان هناك من هدف لتجاوز هذه العبثية فهو الموت .. الموت هو خروج من الوجود نحو العدم .. خروج غير مخيف .. وثيقة استقالة من الوجود .. الموت حكمة تعري الوجود عن وجهه القبيح .. ماذا عن السلطة ؟؟ إنها عصا في يد الاقوياء , تدبير الألم بغير تساوي على البش ر.. تقسيم غير منصف للثروات .. تنظيمات إجرامية تستغل البشر .. هذه الرؤية قد تبدو  للبعض متناقضة فاليائس يعيش رغم تساوي الثنائيات ..

لكن ما أريد توضيحه أنها رؤية لا تنبع من طيش أو رغبة عابرة , بل هي رؤية أشبه بمذهب   كتابات اليائس ليست نسقية متواصلة .. بين كل عبارة و عبارة نجد نقطتين .. نجد فصلا جديدا.. نجد إغلاقا و إعلانا لبداية جديدة تنتهي بإغلاق ..

إنها خارطة وجودية متشظية .. رؤية متقطعة .. لكن رغم تقطعها فهي تعتبر فتحا كبيرا في الفكر الانساني و خلخلة للبناء الهرمي للفكر الانساني .. إنها رؤية مزلزلة زعزعت عرش مسلمات الإنسان العادي .. إنها أشبه بمزيلات الأوهام و غشاء السحر عن أعين البشر ..

إنها تباشير لفجر قادم.. فجر اليأس و الضجر و اللامبالاة .

, سوف تحول العالم إلى حوض من أحواض الجحيم .. من ذلك الحوض سوف يولد الانسان المتفوق , و كأنك تقرأ نيتشه .. أنا لست نيتشه , أنا كائن كوسموبوليتي خرج من حوض اليأس .. كائن متطور من حيث القدرة على العيش و التعايش مع العبث .. لقد أسدلت الستار على عصر الوهم .. نحن الآن في عصر انكشفت فيه عورة الانسان و قبح الوجود .. إنها بداية النهاية .. عصر سقطت فيه أقنعة الذئاب .. و سقط فيه وهم الخلاص .. و سقطت العناية الإلهية .. هذا عصر الفردانية .. ما الفردانية إلا شكلا من أشكال العبث بهذا الوجود , فكل إنسان يرى الوجود كما يريد و يقوم بقولبته و تشكيله على هواه .. كالفصامي الذي يرى و يسمع الهلوسات .. إنها إكراهات بيولوجية و الإنسان محكوم بها .. ما الإنسان إلا بومة ناعقة .. نذير الشؤم و مبشر بخراب العالم ..

كل شيء استنفذناه و جربناه .. نيرفانا بوذا لا تجدي .. حكمة كونفوشيوس لا تعمل .. الأنبياء صاروا أغبياء .. الإنسان عدو الإنسان .. حفار قبور .. حقود , طماع , حيوان ينازعك الأرض و الماء .. يغتصب حقك , يقتل أحلامك , يكذب ,يخادع ,يماطل ,يسرق ,يزور , ميال للنزاعات و الأحقاد و الوشايات و المساهمة في النكد اليومي .. الإنسان هراء و باطل الأباطيل .. لص مخادع و حيوان ضال ..

كل هذا الذي يحدثه ضرر في ضرر في شر .. لكن ما الشر ؟؟ لماذا هو شرير ؟؟ هو يحاكي الطبيعة العمياء فقط .. الطبيعة مهملة و لا تميز بين الخير الشر .. الطبيعة كارثة تنزل فوق رؤوس البشر و تخبطهم خبط عشواء .. لا تكافؤ في الفرص .. لا تكافؤ في الحظوظ .. إن شر الطبيعة أقوى حجة ضد المؤمنين بوجود العناية الالهية .. لماذا يولد الاطفال مشوهون ؟؟ لماذا يتألم العجائز ؟؟ لماذا نمرض ؟؟ لا يمكن إخضاع تصرفات الطبيعة لمعاييرنا الأخلاقية

 توقف عن طرح هذه الاسئلة فلا جواب لها .. فما الخير والشر إلا احتكاك بين أضداد نتجت عنه تلك المفاهيم التي تحاكم بها الطبيعة .. هكذا خرجت علينا تلك المفاهيم الميتافيزيقية ، كالعدل و القضاء و القدر و البلاء ، , كلها ابتدعت من آلام الانسان حتى تخفف عنه وطأته الحياة ..

حتى ثنائية الشر لا تلزمني كإنسان يائس .. ما الشر و الخير في النهاية إلا نتيجة لتوهم الإنسان بوجود الذات العالية المختبئة خلف عالم الفينومين .. تلك الذات العاقلة هي السبب في كل ما يحدث هنا من تقلبات , لكن ما يتجلى لنا ليس هو عين الحقيقة .. الحقيقة موجودة في عالم المثل كما قال أفلاطون .. فحين يضرب فيضان ما في منطقة ما يمكن أن يفسر الأمر على أنه غضب من تلك الذات العاقلة بسبب الخطيئة التي انغمسوا في اقترافها .. أو ربما هو ابتلاء لهم و امتحان لصبرهم .. و بالتالي نضفي صبغة أخلاقية على وقع الكوارث الطبيعية باعتبارها نوع من العدل الإلهي بين البشر .. في حين أن الأمر ليس أكثر من سلسلة من الاسباب التي لا تميز بين خير و شر .. فقانون السببية لا يميز بين خير و شر و لا يهمه تحقيق أية أهداف أرضية كما قال ديفيد هيوم .. ما الإنسان إلا حيوان ملقى إلى هذه الطبيعة المتوحشة .. لا أحد هنا يهتم لأمرك غيرك ..

أنت ملقى بلا معنى و حياتك مشرعة على ملايين الاحتمالات الممكنة .. انت محكوم بثنائية السببية و المصادفة .. لو افترضنا أنك كنت تجلس في مكتبك في أحد برجي التجارة العالمي في الوقت الذي كانت الطائرة تتجه نحوه مباشرة .. يعني أنت هنا في حاجة إلى المكان المعلوم و التوقيت المعلوم وسوف تموت دون شك .. لو افترضنا أنك استسلمت للنوم و لم تستيقظ فجر ذلك اليوم , لتغير السيناريو تماما .. أنت محكوم فقط بالصدفة التي جعلتك تستيقظ .. و محكوم بالسببية و الطائرة التي اصطدمت بالبرج كانت معدة سلفا وفقا لمخطط ذكي عبارة عن سلسلة من الأسباب .. لو مت .. لبكت أمك .. لو كانت زوجتك موجودة لبكت هي الأخرى .. سوف يخمن أغلب أقاربك أن موتك هو انتقام من الآلهة أو ربما هو ابتلاء لأمك و زوجتك ..

أنا شخصيا أرى أن موتك عبث في عبث و لا يغير أي شيء .. و ما نسميه بالشر لا معنى له في عالم الظواهر الذي نعيش فيه .. فكل ما يحدث لنا من كوارث و أمراض و مجاعات و مشاكل لا يمكن إدانته أخلاقيا .. كل ما يحدث لا يستهدف أشخاصا معينين تحديدا وفق لخطة محكمة , بل إن الامر يسير عن طريق الصدفة و السببية دون غاية محدد سلفا .. ما عليك إذن ، إلا أن تحمي نفسك قدر الإمكان من الأضرار و أن تعيش في خضم هذا الكم الهائل من الاحتمالات يائسا أو متفائلا , فالأمر سيان .. و يبقى عزاؤك أن الحياة قصيرة و ليست أبدية ..

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014