تقرأون:
الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: تاريخ الحب ، والكفر ، والمجون ، والمنفى
  • 671
  • 0
الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: تاريخ الحب ، والكفر ، والمجون ، والمنفى

محمد مقصيدي

تعريف بالكاتب والكتاب :

الأصفهاني أديب أموي شيعي قرشي توفي 356 ه .. يذكر ابن النديم أن الكتاب في 5000 ورقة وكتبه في 50 عاما . طبع الكتاب حديثا في 24 مجلدا ،  بينما المجلد 25 ضم الفهرست والمصادر والمراجع ، يعتبر الكتاب ركيزة أساسية في الأدب العربي وإن كان ابن خلدون تحدث عن الكتب الأربعة المهمة في تاريخ الأدب العربي وقال أنها البيان والتبيين للجاحظ وأدب الكاتب لابن قتيبة والكامل في اللغة والأدب للمبرد والأمالي لأبي علي القالي فإنه قال عن الأغاني : ولعمري إنه ديوان العرب … كما أن الصاحب بن عباد كما روي كان يحمل في أسفاره 30 جملا محملة بالكتب فلما وصله الكتاب استغنى عنها جميعا . على الكتاب مجموعة من المؤاخذات كالقصور والمجون والكفر وتصوير حياة الصحابة والتابعين كحياة لهو وخمر وفجور ، سواء من طرف المحدثين أو القدامى كياقوت الحموي ، بل إن بعض الناسخين لما كانوا ينسخونه كانوا يبيضون بعض الأوراق كي لا يوردوا ما جاء فيه بدعوى أنه مما لا يجوز كتابته ، فكما ذكر السخاوي في كتابه الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام بن حجر ، أن الحافظ في حديثه عن واقعة التبييض فيما قاله : وحاكي الكفر ليس بكافر وليس للناسخ أن يتصرف فيما ينسخه والكلام الذي حذفه هو قول أبي العتاهية قرأت البارحة عم يتساءلون ثم قلت قصيدة أحسن منها ..

لمحة مقتضبة :

طلب هارون الرشيد أن يجمعوا له مئة صوت ، والصوت هو الشعر الذي دخلت عليه صنعة موسيقية ، فلما جاء الواثق طلب من ابراهيم الموصلي أن يجمع هذه الأصوات المائة ثم يختار منها عشرة ثم ثلاثة ..  من هنا ، جاءت فكرة الكتاب ، والكتاب كالتالي : تتبع الأصفهاني هذه الأصوات وتحدث عن من وضع ألحانها ومن غناها ومن كتب شعرها ، والعصر والظروف التي صنعت فيها ، فتحدث عن المغنين والشعراء وقبائلهم وعلاقاتهم الاجتماعية والمناخ السياسي والاجتماعي والفكري لهم .. بل أضاف أصوات أخرى خارج هذه المائة المختارة ، فجاء كتابا شاملا جامعا .

من المغنين الذين ذكر : ابن سريج وابن محرز ومعبد ومالك ، وقال أنهم أصل الغناء ، والطويس الذي ولد يوم مات النبي ، وابن عائشة ، والغريض ، وإبراهيم الموصلي ، وفريدة  .. كما ذكر قوانين الغناء من المقامات والآلات لكل صوت ، وذكر الأوتار التي استعملت فيها  كالبم والزير .. فكان كتابا يؤرخ للموسيقى العربية أيضا .

ومن الشعراء ذكر أكثر  من 1400 شاعر بمن فيهم من لم يسترسل في الحديث عنهم ، وذلك منذ ظهور الشعر العربي إلى عصره ، أي على امتداد خمسة قرون ، فذكر من الشعراء الجاهليين مثلا : المهلهل بن ربيعة وقال أنه أول من قصد القصائد وهلهلها وأول من تحدث في الغزل وأول من كذب في شعره ،وامرؤ القيس ،وعنترة بن شداد ،وعمرو بن كلثوم ،والحارث بن حلزة ،وطرفة بن العبد ،ولبيد بن ربيعة ،وزهير بن أبي سلمى ،والنابغة الذبياني ،والأعشى ،وعبيد بن الأبرص ،وذي الإصبع العدواني ،وأوس بن حجر ،والفند الزماني ،وحاتم الطائي ،والأفوه الأودي ،والمنخل اليشكري ،وقس بن ساعدة حكيم العرب الذي أول من قال أما بعد .. وفي المفاضلة بين أشعارهم ساق قول الأعشى في ذكر أشعر الناس قال : امرؤ القيس إذا غضب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب .. ومن صعاليكهم ذكر مثلا : عروة بن الورد ، الشنفري ، السليك بن سلكة ، تأبط شرا .. ومن النساء : أمامة بنت ذي الإصبع العدواني ، جليلة بنت مرة ، الخرنق بنت بدر أخت طرفة بن العبد …

ومن المخضرمين وشعراء الإسلام مثلا : الحطيئة  ،ومعد بن يكرب ، وعروة بن حزام ،وكعب بن زهير ،والنابغة الجعدي ،وأبو الشمقمق ،والنابغة الشيباني ، ومتمم بن نويرة ،وقيس لبنى ،وعروة بن أذينة ،وأبو محجن الثقفي ، وشعراء الرسول الثلاثة حسان بن ثابث ، عبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ..ومن النساء نذكر : الخنساء …

ومن الشعراء الأمويين : الفرزدق ،وجرير ، وما أبدعاه من شعر النقائض ،والأخطل ،والأحوص ،وعمر بن أبي ربيعة ،وكثير عزة ،وجميل بثينة  ووضاح اليمن ،وذي الرمة ،والطرماح ،والمقنع الكندي ، ومن الصعاليك مالك بن الريب وأبو النشناش اللص . ومن النساء : ليلى الأخيلية ..

ومن الشعراء العباسيين : بشاربن برد ،أبو تمام ،السيد الحميري ،أبو العتاهية ،ديك الجن ،والبة بن الحباب ،صالح بن عبد القدوس .. ومن النساء : علية بنت المهدي . والغريب أنه جاء بذكر أبي نواس عابرا ولم يذكر ابن الرومي والمتنبي ..

الأحداث والقضايا الدينية والاجتماعية والسياسية :

جاء في الكتاب كم هائل من المعلومات عن الأحداث والمناخ السياسي والثقافي والاجتماعي للعرب منذ ما يسمى بالجاهلية ، فأفاض في ذكر أيامها وقبائلها وعاداتها وحكامها ،كما ذكر الخلفاء والولاة والأعيان وحروبهم ..وقد أجملت هنا بشكل مقتضب بعض هذه المعلومات التي تمنحنا أدوات معرفية من أجل قراءة جديدة للموروث الإسلامي والعربي .

أولا – الحالة الدينية قبل الإسلام :  على عكس ما شاع أن العرب كانوا في عبادة عمياء للأوثان ، فإن الكتاب يطالعنا بالعديد ممن اعتزلها ، ولم يأكل ما ذبح على النصب ، ويصوم قبل الإسلام .. كالشاعر ورقة بن نوفل و أمية بن أبي الصلت الذي شق طائران قلبه كما حدث للنبي تماما مع الملكين ، وزيد بن عمرو الذي قال : فلا العزى أدين ولا ابنتيها / ولا صنمي بني غنم أزور /ولا هبلا أدين وكان ربا /لنا في الدهر إذ حلمي صغير / أربا واحدا أم ألف رب /أدين إذا تقسمت الأمور ..

ثانيا – وضعية المرأة : لقد كانت للمرأة مكانة متميزة في مجتمع ما قبل الإسلام وليس كما يصورها البعض ، فمثلا لما قالوا للحطيئة ما تقول في مالك ؟قال للأنثى من ولدي حظ الذكر .قالوا : ليس هكذا قضى الله . قال : لكني هكذا قضيت .

ثالثا – الأوضاع السياسية : تحدث الكتاب عن مجموعة من القضايا السياسية كحلف الفضول ، وحرب البسوس ، حروب الأوس والحزرج ، غزوة بدر وقطع رأس أبي جهل وإحضاره للنبي ، غزوة أحد ، حادثة قتل خالد بن الوليد لمالك بن النويرة من أجل أن يتزوج بزوجته وعلاقة أبي بكر بالقضية ، الصراع بين علي وعائشة فيما يعرف بموقعة الجمل ، مقتل عبد الله بن الزبير واحتراق الكعبة وإعادة بنائها في عهده ، حروب المهلب بن أبي صفرة ، مذبحة أبي العباس السفاح الرهيبة …

رابعا -الردة بعد موت النبي وأسبابها : لقد كان للردة أساب أعمق وأعقد من المسألة الدينية ، فمثلا هذا الحطيئة يقول : أطعنا رسول الله إذ كان بيننا / فيا لعباد الله ما لأبي بكر /أيورثها بكر إذا مات بعده / وتلك لعمر الله قاصمة الظهر .

خامسا -الأوضاع الفكرية والثقافية :  يمكننا أن نتناول هنا ثلاث نقاط ، قصص بعض الأمثلة العربية والحديث عن أسواق العرب ،كقولنا : أشأم من البسوس عن حرب بكر وتغلب ،وجزاء سنمار ،وأوفى من السموأل ، واليوم خمر وغدا أمر .. ومن الأسواق سوق عكاظ ، وكيف كان يضرب للنابغة خيمة فيه ويأتي إليه الشعراء ليحتكموا إليه في شعرهم .. ثم يحكي لنا جذور تأصيل النحو العربي في قصة أبي الأسود الدؤلي وما  حدث بينه وبين علي بن أبي طالب وزياد … وبما أننا ندرس المعتزلة ،فعظمة هذا الكتاب الذي لا يترك صغيرة أو كبيرة إلا أشار إليها تبدو جلية عندما سوف نجد فيه شهادات في المعتزلة وعلم الكلام أيضا .. ومن ذلك ما ساق :  كان بالبصرة 6 من اصحاب الكلام : واصل بن عطاء وبشار الأعمى وصالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن أبي العوجاء ورجل من الأزد ..  وهجاء بشار بن برد لواصل بن عطاء حتى قال واصل : أما لهذا الأعمى الملحد ،لأما لهذا المشنف المكنى بأبي معاذ من يقتله ؟ وكان قد قال فيه بشار : ما لي أشايع غزالا له عنق /كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا /عنق الزرافة ما بالي وبالكم /تكفرون رجالا كفروا رجلا ..وذكر حكاية أبي بشر المريسي مع أبي العتاهية حول المشبهة ،بل يسوق حتى حادثة نفي المتوكل لأحمد بن أبي دؤاد حيث يقول فيه علي بن الجهم شامتا :يا أحمد بن أبي دؤاد دعوة /بعثت إليك جنادلا وحديدا /ما هذه البدع التي سميتها /بالجهل منك العدل و التوحيدا

سادسا -المجون والكفر والزندقة : إن الانطباع الذي نخرج به بعد قراءة الأغاني ،هو ذلك المجتمع الإسلامي العربي الذي يختلف عن ما يصوره البعض من زهد وعبادة ، مثلا : المغني ابن سريج مخنث ،والمخنثون لا حصر لهم ،عمر بن أبي ربيعة يضرب الدف سكرانا في الحج ويرجونه أن يخفض صوته ،الوليد بن عثمان بن عفان يشرب الخمر مع الوليد بن عتبة ، فارعة بنت ثابت أخت حسان تتغنى بالرجال تقول في قصيدتها : يا خليلي نابني سهدي ،خلاعة في الشعر لا حدود لها كما قال أبو الشمقمق لبشار : إني إذا ما شاعر هجانيه /ولج له في القول لسانيه /أدخلته في إست أمه علانيه /بشار يا بشار وأراد أن يقول  يا ابن الزانية.. ويقول أبو العتاهية : يا ذوات السحق في الغرب والشرق /أفقن فإن النيك أشفى من السحق /أفقن فإن الخبز بالآدم يشتهى /وليس يسوغ الخبز بالخبز في الحلق ، التغني بالمثلية الجنسية ، الوليد بن عقبة شاعر شارب للخمر فاسق : شرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح فصلى بهم أربع ركعات وقال هل أزيدنكم ،وتقيأ في المحراب ثم قرأ في الصلاة بصوت مسموع : علق في  القلب الربابا /بعدما شابت وشابا .. بل هذا الملك الوليد بن يزيد يمزق القرآن بالسهام قائلا : أتتوعد كل جبار عنيد /فها أنذا جبار عنيد /إذا لاقيت ربك يوم حشر /فقل لله مزقني الوليد ..  الخليفة الواثق يهوى غلاما ويقول فيه الشعر .. إننا نرى على طول الكتاب مجتمعا إسلاميا  غارقا في الكفر والزندقة والخمر والمثلية الجنسية والخلاعة في الشعر والكلام …

ثمة المنفى في الكتاب

النفي القسري : كأبي قطيفة وهو من عقب الشاعر بن أبي معيط الذي قتله النبي في أسره .  نفاه عبد الله بن الزبير عن المدينة ، ومات قبل أن يعود إليها وفي هذا قال : أقطع الليل كله باكتئاب /وزفير فما أكاد أنام / نحو قومي إذا فرقت بيننا الدار / وحادت عن قصدها الأحلام … وكإسماعيل بن يسار حين دخل على هشام بن عبد الملك فقال قصيدته التي نفاه بعدها : أصلي كريم ومجدي لا يقاس به /ولي لسان كحد السيف مسموم .. قال فغضب هشام وقال له : أعلي تفخر ؟ … فأمر بأن يغطوه في الماء ونفاه إلى الحجاز حيث لا يزال مطرودا محروما كما قال في روايته ..

الهجرة من أجل الحبيبة : كقول قيس بن ذريح في لبنى متغنيا بمنفاه : أظن هواها تاركي بمضلة/من الأرض لا مال لدي ولا أهل/ ولا أحد أفضي إليه وصيتي /ولا صاحب إلا المطية والرحل .

الهجرة من أجل التكسب والمال : كان الكثير من الشعراء يتوجهون إلى الملوك والأعيان لمدحهم والتنقل بين بلاطاتهم من أجل المال ، ولعل واقعة الحطيئة مع الزبرقان توضح طبيعة تلك العلاقة ، وكذا يحيى بن طالب ، شاعر من اليمامة عباسي مقل ركبه دين فهرب الى الري ومات بها يقول : أريد رجوعا نحوكم فيصدني / إذا رمته دين علي ثقيل .

ظاهرة الشعراء الصعاليك : هناك الكثير من الشعراء الصعاليك الذين خرجوا من قبائلهم منفيين في الصحارى لأسباب عديدة ، ومنهم عروة بن الورد الذي يقول : دعيني للغنى أسعى / فإني رأيت الناس شرهم الفقير /وأبعدهم وأهونهم عليهم/ وإن أمسى له كرم وخير .. وأبو النشناش اللص في العهد الاموي الذي كان يعترض القوافل فهرب قائلا : وسائلة أين ارتحالي وسائل /ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه / مذاهبه أن الفجاج عريضة / إذا ضن عنه بالنوال أقاربه ..

الشعراء المخلوعون : شعراء كانت تخلعهم قبائلهم كي لا تؤخذ بجريرته ، وفي هذا الباب قيس بن الحدادية الذي خلعته قبيلته خزاعة في عكاظ . فهاجر إلى بطن أخرى وقال :  جزى الله خيرا عن خليع مطرد / رجالا حموه آل عمر بن خالد..

الهروب من الثأر : كهلال بن الأسعر وهو شاعرا أموي قال في منفاه من اليمن لهروبه لدم كان يطلبه ،يستعتب قومه : بني مازن لا تطردوني فإنني /أخوكم وان جرت جرائرها يدي /ولا تثلجوا أكباد بكر بن وائل / بترك أخيكم كالغليع المطرد .

المنفى لأسباب تتعلق بالدين  :   كأبي النظير ، كان يظهر المجون وهو من شعراء البصرة فذهب عند البرامكة فأغنوه إلى أن مات .

وطن الحبيبة هو وطن الشاعر : المقدمات الطللية حتى قال أبو نواس  قصيدته المشهورة التي مطلعها دع الربع ، نذكر هنا مثلا مطلع قصيدة لبيد بن ربيعة : عفت الديار محلها فمقامها / بمنى تأبد غولها فرجامها / فمدافع الريان عري رسمها / خلقا كما ضمن الوحي سلامها ..

ثمة عدد كبير من الشعراء الذين عاشوا تجربة المنفى منذ ظهور الشعر العربي وأثر ذلك في شعرهم ، نضيف إلى الذين ذكرنا سالفا الشاعر الأموي النميري ، وعالم اللغة والشاعر ابن مناذر الذي ادعى الألوهية ، وابن أبي عيينة الذي بقي هاربا حتى وفاة المأمون لأنه هجا أحدهم ، ولعل أكثر المراثي شهرة في تاريخ الأدب العربي هي مرثية مالك بن الريب التي قالها قبل وفاته في أرض ليست بأرضه ، وتبين العمق اللغوي وكثافة المشاعر والصور البلاغية التي يمكن أن يفجرها المنفى في علاقته مع جمالية النص الشعري وقوته . تلك المرثية التي مطلعها : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة/ بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا / فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه /وليت الغضا ماشى الركاب لياليا ..

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014