تقرأون:
رِامبو: فتى متوحش أم لغة متوحشة؟
  • 346
  • 0
رِامبو: فتى متوحش أم لغة متوحشة؟

أسامة حبشي

إن رِامبو ذلك الفتى الذى لم يتجاوز العشرين من عمره، يعبر بكل صدق عن مأساة جيله، ومأساة الأجيال اللاحقة؛ عندما يرثى الحضارة الأوربية التى تذهب فى مهب الريح دون هوادة بسبب افتقادها للروح وللجمال. إنه يدرك – ببصيرة ثاقبة- عاقبة التقدم فى كل شىء يحيط بنا، باحثًا عن عالم آخر تُسترد فيه الطبيعة من خيالات الإنسان وأوهامه وتخيلاته. ذلك العالم الذى لطالما تغنى به بودلير فى قصيدته «الإنسان والبحر». يقول رِامبو: «أنا الشتاء الآخر الأكثر صممًا/ من عقول الصبيان/ جريت! ولم تحتمل شبه الجزر المنطلقة/ اختلاطًا/ وفوضى أكثر انتصارًا». هذه الفوضى قارة فى آخر تتوق إليه روح الشاعر، لا هى فردوس ولا هى يوتوبيا مفقودة، ولا هى آخر بالقياس إلى حدٍّ ما. إنها آخر لأنها ليست من هذا العالم، آخر وحسب لا يعد بشىء ولا يحتويه شىء، آخر يهتز كالمركب السكران فوق موج متقلب على الدوام.

ففى قصيدة «المركب السكران» يبادل الشاعر أناه بمفردات الطبيعة؛ تلك الأنا الحائرة اللامنتمية هى روح الهارب من خوفه ومن ألمه، إنها روح المنتمى للبرارى، ذلك المنتمى إلى الهناك: «حرا، نافثًا دخانه، ممتطيًا الضباب الكثيف/ وأنا الذى أثقب السماء المحمر كما الحائط/ الذى يحمل، مربى شهيا للشعراء الجيدين». فالذات فى القصيدة هى ذات اللامنتنى والمنتمى المتوحش العاطفة فى آن واحد، المنحدر من أنهاره المستحيلة فى مواجهة الحب المفقود،
وفى مواجهة «الآخر» بتجلياته السلبية التى تتمثل فى النقائض التى تحيط به. صراع من أجل البحث عن طفولة لن تعود «بما أننى أنحدر/ من الأنهار اللامبالية/ لم أعد أحسنى/ منقادًا من طرف ساحبى المراكب: هنود حمر صياحون اتخذوهم هدفا/ بعد أن سمروهم ( ثبتوهم) عراة على أعمدة من ألوان».

السماوات المتصدعة، والمساءات البعيدة المنال حيث يظن الإنسان أن ما يراه جميلًا، ولكنه فى الحقيقة يرى السراب فالشمس مبقعة بهلع، والرغبات هناك فى السحيق البعيد تخوننا، والخوف يأكل الروح «أنا المرتجف، أحس على بعد خمسين ميلا/ نواح رغبة الوحوش الشيطانية والتيارات البحرية اللزجة/ غزال أزلى/ للجمودات [السكونات] الزرقاء/ تترعنى الحسرة على أوروبا بمتاريسها العتيقة». هنا يغوص رامبو فى هزيمة الأحلام كما قدمها برتولوتشى فى فيلمه «الأحلام» أو كما قدمها أنطونيونى فى فيلمه «انفجار أو بلو أب». وهزيمة الذات عند رِامبو هزيمة ساحقة مؤلمة: «حلمت بالليل الأخضر ذى الثلوج المنبهرة/ القبلة الصاعدة ببطء إلى عيون البحار/ جريان أنساغ خارقة ليس لها مثيل/ ويقظة الفوسفور الصفراء المغنية!».

كل شىء يقودنا للألم فى تلك القصيدة، وكل شىء يصبح مخادعًا ومزيفًا. فالمستنقعات تهيج والبعيدون ينهمرون كشلالات، وهذه الرؤية التى تتعدى أفق العدمية بمراحل، والتى تتمحور حول رؤية الأنا فى مواجهة الآخر، لهى رؤية تنبؤية بامتياز، فما آلت إليه حياة الإنسان الأوروبى «إذا تقت إلى ماء أوروبى، فتلك البركة/ سوداء وباردة حيث الغسق المعطر (المحنط)/ طفل مقرفص مملوء أحزانًا وخوفًا/ مسترخ / مركب واهٍ تماما مثل فراشة آيار». لقد أصبحت حياة الأوروبى جافة وخالية من الجمال فى مقابل عبودية رأس المال وعبودية الميديا الحديثة فى ظل ثورة التكنولوجيا خير دليل على صدق رِامبو «رأيت المستنقعات الهائلة تهيج/ شبكة حيث بكليته يتعفن فى الأسل لوياثان/ يساقط الماء وسط رخاوات البحر وهدوئه/ والبعيدون نحو اللجج ينهمرون كشلالات»… ومع هذا تظل «الأنا» باحثة وسط هذا العبث ووسط هذا القبح عن الحب، أو تمنى هذا الحب البعيد مناله:

«كنت أود لو أننى أرشد الأطفال إلى هذا المرجان/ فى الموج الأزرق، هذه الأسماك الذهبية، هذه الأسماك المغنية/ زبد [رغوة] الأزهار يهدهد سحبى بعيدا عن المرسى/ رياح خارقة كانت قد جنحت بى فى لحظات».
إن قصيدة «المركب السكران» قصيدة نبوءة الخيبة والصدمة فى العالم المحيط بنا وهى صرخة رِامبو التى لن يكف صداها عن النوح والبكاء، طالما كانت حياتنا على هذا النحو من تشويه لكل ما هو جميل، وتخريب للروح التى تبحث عن نقائها: «لم أعد أقدر البتة، أنا المستحم بذبولكم، أنتم ذوو النصال/ على الإبحار فى ممخر حاملى القطن/ ولا عبور زهو [عجرفة]/ الرايات ذات اللهيب/ ولا السباحة تحت لأنظار الرصيف الرهيب».

وأخيرًا لا يسعنا إلا أن نقول لرِامبو المرتحل: رحيل ينادى رحيلا ولا مفر من تلبية النداء، فقلبك كان فى عنفوانه ينظر «ثروةُ المدينة التى ستضحك تحت سموات مزيفة» قلبك المرح، ولكنه الغاضب، قلب به ضعف أمام الخطى المجهولة، والروح دائمًا وأبداً تشتهى غموضها.. لا الجذور- يا رِا مبو-  تربط النبتة بأرضها، ولا الأرض تغرى نبتتها بالخلود.. عابر سبيل- أنت – ليس له أثر كالريح سوى ما يتركه وراءه، وأنت الطائر وستظل محلقًا بطيرانك ما دامت الحياة، وفى مماتك حلقت أيضًا.. كنت تجلس وسط الناس تتنازعك أسفارك، ويناديك الهناك، اللامكان يخطفك من كلماتك، فرحلت وتركت الكلام وألعابه وغاياته، وبقيت بعيدًا ترحل وتعود، ثم ترحل وتعود، إلى أن رحلت مرة أخيرة بلا عودة نهائية فى بحر الموت، ذلك البحر السيئ الأمواج والخبيث الطالع… فلك منا السلام.

 

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014