تقرأون:
الفرق بين المشكلة والعارض
  • 389
  • 0
الفرق بين المشكلة والعارض

علي جهدي | عندما كانت جدتي على شفير الموت في المستشفى، جلست إلى جانب فراشها اقرء لها القرأن. طبعا لكل من عرفني بتلك الفترة سوف ينصدم لأني كنت بنفس الوقت أدعو الناس إلى الإلحاد بالانترنت و أنسب كل الشرور بالبشرية إلى الأديان بصورة عامة والدين الإسلامي بصورة خاصة.

ولكن عندما طلبت مني جدتي المريضة أن اقرء لها سورة الكهف لأنها لم تجلب معها نظارتها، لم اناقشها وبدأت بالقراءة لها.

لو كنت -أخي القارئ- مسلم وتتوقع أني اهتديت وابتلت لحيتي بالدموع بعد أن وجدت اعجاز علمي بالسورة، أسف أن أقول لك ان ظنك سيخيب.

ولو كنت ملحد وتتوقع أني ناقشت جدتي وأقنعتها بأن الدين خطأ وأنها عاشت بحرية وتحرر بعد هذا، اسف مرة أخرى  فان ظنك سيخيب.

قرأت لجدتي القرأن، ماتت جدتي بعد يومين، وعدت لعادتي كي أنشر الالحاد.

راجعت نفسي بعد هذا، ما الذي كان سوف يحدث لو بالفعل استطعت اقناع جدتي ببطلان الأديان؟ هل معرفة ان كل حياتها كانت بدون هدف، وأن الموت هو على الاغلب مجرد فناء إلى العدم؟ هل كان هذا سوف يفيد البشرية وينشر السلام والوئام بالبشرية و مثل ما يقول جون لينين

“living for today »?

بالطبع لا، كانت سوف تعيش اخر لحظات حياتها بتعاسة بدون ادنى فائدة لأي احد سوى احساسي الأناني بالتفوق الفكري.

ما فائدة نقاش أي أحد واقناعه ببطلان الأديان؟ هل هذا سوف يجعل العالم أكثر أمانا؟ هل ستمحى كل الكراهية والحروب؟

هل الدين كما ادعى ريتشارد داوكنز “أصل كل الشرور” ؟

أنا ملحد طبعا، و لكني دارس للتاريخ.

وأعرف أن دولا منعت الأديان في أوروبا الشرقية، وكمبوديا الخمير الحمر، وغيرها من البلدان… ولم تكن تلك البلدان “جنات” على الأطلاق!

بل كانوا جحيما للمعارضين والأجانب ولكل الأفكار الغريبة.

أتصور ان كثير من الملحدين يتناسون أن الأديان من صنع الإنسان، وماهي إلا وسيلة لوضع هالة من السحر والفلسلفة على رغبات البشر المادية.

ليست صدفة أن اله الإنسان العنيف يصدف أن يكون عنيفا أيضا.

ليست صدفة أن اله الإنسان الطيب يكون طيبا ومتسامحا أيضا… “لو كان للمثلثات اله، سوف يصمموه ثلاثي الاضلاع” : مونتسكيو- فيلسوف روماني.

الدين هو مجرد وسيلة للناس للتعبير عن رغبة عميقة في داخلهم، فهو في الشرق الأوسط مجرد عارض لمرض أكبر وأعمق.

بشار الأسد، كيم جونغ ايل، ستالين، وغيرهم لم يرتكبوا جرائمهم باسم الدين.

أن مشكلة العنف والكراهية بالعالم عموما والشرق الأوسط خصوصا، هي مشكلة أعمق وأقدم من الدين، هي مشكلة يتطلب حلها علماء نفسيين، علماء أعصاب، علماء التطور، وغيرها من العلوم، وعليها أن تكون موجهة نحو حل المشكلة الأساسية (العنف) و ليس العارض (الدين).

قد يظن البعض أني اطالب بعدم المناقشة، و هذا غير صحيح، المناقشة ضرورية لتقدم الحضارة البشرية، لطالما كانت بنائة و غير هجومية، النقاش الهجومي هو نقاش هدام، لأنه يجعل الطرف الاخر متمسكا بفكرته اكثر مما كان قبل النقاش، و هو ما اراه في اغلب النقاشات العربية الدينية، حيث يبدأ كل طرف بلوم الطرف الثاني لمشاكل العالم كله.

المقال موجه للملحدين اكثر مما هو للمسلمين.

اخي في الحاد، سلام داروين على من اتبع الهدى، اما بعد؛ اهلك، عائلتك، الناس بالشارع، و اصداقء طفولتك على الاغلب مسلمين، انت على اغلب اعتبرت نفسك مسلما في فترة ما، هل كل هولاء الاشخاص اشرار؟ هل انك عندما كنت مسلما كنت ترغب بقتل كل الكفرة، اغتصاب اطفال، و ذبح النساء؟ انا متأكد انك بعد الحادك أكتشفت انه في الشريعة نصوص تشرع تلك الافعال، لكن سؤالي هو ، عندما كنت مسلما هل كنت ستطبق هذا لو عرفته؟ الشريعة الإسلامية و تقريبا شريعة كل الاديان، هي قوانين و تقاليد كتبها ناس قبل الالف السنين و لم يكتبوها بيوم و ليلة كما قد يدعي المتدينون و لكن كُتبت بفترة طويلة جدا من قبل عدة اشخاص. مختلفون هولاء الاشخاص عن بعضهم اختلافا كبيرا ببعض الاحيان، و لهذا فأن احتمالية تضارب بالنصوص الدينية مع بعضها امر لا بد منه، المتدين بهذا الوقت امام اختيار واعي بين النصوص المتضاربة، هل يختار النصوص التي تحض على العنف ام المحبة، السلام ام الحرب، النقاش ام السلاح؟

اختيار كل إنسان راجع له و يعتمد على عدد كبير من الظروف النفسية و الاجتماعية، و لكن انت بأمكانك ان تساعده على اختيار النصوص السمحة، لو قدمت نفسك على انك إنسان تتخلف معه بالرأي، بدل عن عدو يشيطنه.

حتى نقدر على مواجهة المرض و ليس عوارضه.

أترك تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة أتارغاتيس 2014